الأربعاء، 19 فبراير 2014

أوراق الياسمين.. بقلمي, الجزء الثاني..

1) خطيئة بنكهة الحب..

في ذلك المساء, كانت اللحظات قد تربعت على عروش الفتون, وكأَنها استردت حقوقاً قَد اغتصِبَت من دول الطهر التي قَد عيث بها الفساد والدمار.

كان كل شيء أنيقاً, المكان والأشخاص وحتى الحميمية, التي لَبِسَت الثياب التي تعانقت أنسجتها ما بين الرقة والتوهج. عيناه لم تكن لتفارق النظر إلى ما كنت قد ارتدَيْته, وقد عزفت كلمات الإطراء والحب للثياب التي ارتديها, أبدى إعجابه بالثياب الجلدية للأنثى, وأخبرني بأَنها تزيد الأنوثة رقة وأناقة على حد سواء.. ولكن, وعلى الرغم من أَنه كان كعصفور يطير في سماوات السعادة المقدسة, إِلا أَني لَمَحْت في عينيه جسداً مُتَرَمِّداً من الحزن الأصيل. تناولنا العشاء, مصحوباً بِنَخْب جمال اللقاء, كانت المرة الأولى التي أشرب فيها كأساً, بدى ذلك واضحاً على ملامح وجهي, أحسست عندإذن بأَن شيئاً مِن جسدي بمفاتنه داخل كرة من الزجاج للحظات, وهو يضحك ساخراً مِنّي ويقول بسخرية: -لو كنتي تقبلي الخروج في المرات الماضية لكنتي أتقنتي شرب النبيذ...

انتهينا مِن تناول العشاء, طلب مِني القيام معه, وفي ذاتي المشوهة أَدْرَكْت أَننا نسير إلى قفص صغير, قضبانه ذهبية, وسقفه قد تلون بألوان الحب, التي دُهِنت بريشة الخطيئة. مضيت معه بضع خطوات, ولما أوشكت على السقوط, عانقني وحملني بذراعيه كطفلة. كنت مُدْرِكةً بأنه إذا ما غُلِّقت الأبواب بصحبتي أنا وهو والشيطان, فإني سألقي السلام على أشياء ستذهب بإسم الأخطاء الحميمية المباحة. ولكني حاولْت أَن أُلْبِس أنوثتي بثياب المنع التي كانت من خيوط مرقعة.. أعطاني قطعة من الشوكولاتة الداكنة, وَفَتَح, الثلاجة الصغيرة وأخرج منها علبة من عصير الفراولة فقدمها لي, عاد وعانقني العناق المتدرج, لم يمنحني فرصة لإعداد ما يلزم, كان الشهد طِفْلاً قَد وُلِد من رحم الشفتين, تَذَكَّرْت في تلك اللحظات تلك الرواية التي قرَأْتُها, التي كانت تتحدث عن ثقافة الأَلَم وحلاوته في مثل تلك اللحظات, وكأَن المزامنة كانت ترخي بستارها على المكان.. ولكن كان هاتفي المحمول قَد حال بيني وبين دقيقة الحسم, الدقيقة الإحدى عَشَر, الدقيقة التي كانت على وشك أَن تنهي مسرحية العذرية بالنسبة لي, إنها أختي تريد مني المجيئ وعدم التأخر؛ لأَن بيت عمي قادمون على العشاء, أَغْلَقْت الخط, وأَتْبَعْت بيني وبين نفسي بكلمات تعبر عن سوء الإلتزام بالتقاليد العمياء, ربما كنت تحت تأثير نشوة النفس على العقل, ولكن كل ما أعرفه بأَن هناك شعور غريب امتزج ما بين روعة ما حَدَث وما بين صراع الأنثى الملتزمة بضرورة العذرية, وما بين حرمة الخطأ على كل أنثى تعيش تحت سيوف مجتمع شرقي, كنا نحن الإثنين تحت تأثير جمال اللحظة, الأمر الذي دعاني إلى الخروج من الفندق بذات الثياب الجلدية وترك الكيس على طاولة الطعام, بصحبة الحجاب الذي كنت أرتديه, ولكني تَذَّكَّرْت بعد فوات الأوان..






الكرسى والمرايات !!

مرايات من جميع الأتجاهات،يقف بينهم ويرى مئات الصور المتداخلة لا يتسطيع الهروب الأضاءة ربما كانت خفيفة بعض الشئ ولا وجود للموسيقى التصويرية فى الحياة الواقعية يتحرك يمينا كى يتحرك يسارا كى يتحرك فيتحرك يسارا بصورة عكسية فحركة يمينا مرة أخرى،دائرة مفرغة،يشعل سجارة عسى أن يدور فى دائرة مفرغة عكسية،لا يصل،يجلس على الكرسى الموجود بين المرايات لا يشعر براحة رغم أن الكرسى من الخشب الجيد وهو نفسه ذات الكرسى الذى طالما شب كثيرا وهو طفل كى يجلس عليه،والده أعتاد أن يضع هذا الكرسى بجوار الشباك ويجلس كى يراقب الماره،وعندما وجد طفله يشب كثيرا كى يصعد إلى الكرسى رفعه بيده وأوقفه عليه فسند يده على سور الشباك ووقف بجوار والده يراقب الماره،الأن لا يشعر براحة فى الجلوس على هذا الكرسى،يقف يتذكر السجارة التى قاربت أن تلسع أصبعيه وهو لم يأخذ منها نفسا واحدا على الأقل،ببدلة سوداء يقف يفك رابطة العنق لعل هى التى تشعره بكل ذلك الحنق كان لونها أزرق لم يختارها،هى من أختارتها ورغم مرور أعوام على عدم تذكره أياها إلا أن الليله مناسبه تماما يكفى أنه رأها فى حلم ما وهذا لم يحدث منذ موتها فى ذلك اليوم،ينظر إلى المرايات يتحاشى النظر يبكى لم يكن له ذنب والأحباب يجيدون فن الفراق،يلقى رابطة العنق بعنف ويجلس مرة أخرى على الكرسى يغلق عيناه كى ينام أو يحلم بها لا تأتى ولا يحلم ولا يستطيع النوم،يقف ينظر فى جميع الأتجاهات لعله يجد شيئا ما،لا يجد،يبحث فى جيوبه،غير علبه السجائر يجد ذلك الشئ الذى يحاول أن ينساه كيف أتى إلى هنا و متى،ينظر إلى الكرسى يخرج هذا الشئ الكابوسى يضعه على الكرسى ويتذكر مشهد الأنتحار،فى يوم وكالعادة وضع والده الكرسى بجوار الشباك وأخذ يراقب الحركة اللانهائية ودون مقدمات قام ليفتح دولاب صغير وأخرج مسدس صغير ونظر إلى صورة زوجته التى ماتت دون أن ترى أبنهما وأخبرها "لم أعد أرى فى الحياة ما يستحق الأنتظار"،وضع الكرسى فى منتصف الغرفة وصوب المسدس إلى رأسه ومات فقط مات دون وداع أبنه أو صلاة أخيرة،هو كان صغير لم يستطع التدخل،فقط دخل الغرفة أزاح والده عن الكرسى وضع الكرسى بجوار الشباك وأخذ يراقب المارة !!




ولا تَقْفُ ( ق . ق . ج )


أنصت للسمع من جانب واحد ..





ليخرج بنصف صورة ...





وكفٍ مائل.....!!






إحساس مرهف 2









الكرسى والمرايات !!

مرايات من جميع الأتجاهات،يقف بينهم ويرى مئات الصور المتداخلة لا يتسطيع الهروب الأضاءة ربما كانت خفيفة بعض الشئ ولا وجود للموسيقى التصويرية فى الحياة الواقعية يتحرك يمينا كى يتحرك يسارا كى يتحرك فيتحرك يسارا بصورة عكسية فحركة يمينا مرة أخرى،دائرة مفرغة،يشعل سجارة عسى أن يدور فى دائرة مفرغة عكسية،لا يصل،يجلس على الكرسى الموجود بين المرايات لا يشعر براحة رغم أن الكرسى من الخشب الجيد وهو نفسه ذات الكرسى الذى طالما شب كثيرا وهو طفل كى يجلس عليه،والده أعتاد أن يضع هذا الكرسى بجوار الشباك ويجلس كى يراقب الماره،وعندما وجد طفله يشب كثيرا كى يصعد إلى الكرسى رفعه بيده وأوقفه عليه فسند يده على سور الشباك ووقف بجوار والده يراقب الماره،الأن لا يشعر براحة فى الجلوس على هذا الكرسى،يقف يتذكر السجارة التى قاربت أن تلسع أصبعيه وهو لم يأخذ منها نفسا واحدا على الأقل،ببدلة سوداء يقف يفك رابطة العنق لعل هى التى تشعره بكل ذلك الحنق كان لونها أزرق لم يختارها،هى من أختارتها ورغم مرور أعوام على عدم تذكره أياها إلا أن الليله مناسبه تماما يكفى أنه رأها فى حلم ما وهذا لم يحدث منذ موتها فى ذلك اليوم،ينظر إلى المرايات يتحاشى النظر يبكى لم يكن له ذنب والأحباب يجيدون فن الفراق،يلقى رابطة العنق بعنف ويجلس مرة أخرى على الكرسى يغلق عيناه كى ينام أو يحلم بها لا تأتى ولا يحلم ولا يستطيع النوم،يقف ينظر فى جميع الأتجاهات لعله يجد شيئا ما،لا يجد،يبحث فى جيوبه،غير علبه السجائر يجد ذلك الشئ الذى يحاول أن ينساه كيف أتى إلى هنا و متى،ينظر إلى الكرسى يخرج هذا الشئ الكابوسى يضعه على الكرسى ويتذكر مشهد الأنتحار،فى يوم وكالعادة وضع والده الكرسى بجوار الشباك وأخذ يراقب الحركة اللانهائية ودون مقدمات قام ليفتح دولاب صغير وأخرج مسدس صغير ونظر إلى صورة زوجته التى ماتت دون أن ترى أبنهما وأخبرها "لم أعد أرى فى الحياة ما يستحق الأنتظار"،وضع الكرسى فى منتصف الغرفة وصوب المسدس إلى رأسه ومات فقط مات دون وداع أبنه أو صلاة أخيرة،هو كان صغير لم يستطع التدخل،فقط دخل الغرفة أزاح والده عن الكرسى وضع الكرسى بجوار الشباك وأخذ يراقب المارة !!




ولا تَقْفُ ( ق . ق . ج )


أنصت للسمع من جانب واحد ..





ليخرج بنصف صورة ...





وكفٍ مائل.....!!






إحساس مرهف 2









الاثنين، 3 فبراير 2014

بائعة الشموع قصة قصيرة نسبياً بقلمي المتواضع..


بائعة الشموع.

حتى هذه اللحظة, وهانحن على مشارف إسدال الستار على عام سيرحل, بفرحه وبمأساته, ربما أنا مخطئة, كان عَلَي أَن أقول سيرحل العام بمآسيه. لا أدري إن كان علَي أَن أقوم بلوم نفسي أَم أقوم بلوم الأقدار التي جاءت بي إلى حياة, ربما لَم تكن حياتي, هل جئت عن طريق الخطأ؟؟؟؟ سؤال يتعبني وتخيفني كلماته, وتقف على مخيلتي تلك علامات الإستفهام كأنها تراقبني. ولكني تَعَلَّمت في المدرسة بأَن الأقدار من الله, ولا ينبغي عَلَي أَن ألوم الله.. كل ما أعرفه وأَتَذَكَّرُه في حياتي الموحشة بأني خَرَجْت من سجن كان الجلادون فيه لا يعرفون لحقوق السجين أي قيمة, غير آبهين بآدميته, خَرَجْت من سجن إلى سِجْن وبين السجنين كانت مستشفى للأمراض العصبية, وهاأنا الآن مقيمة عند صديقتي فادية, حتى أكون خادمة وأُماً متفهمة للطفلة هند صاحبة الثلاثة عشر عاماً, وإن دَعَت الحاجة, فإني أجعل نفسي لعبةً صغيرةً يحركونها كيفما شاءوا, من دون الإكتراث بأي مشاعر, لا أملك سوى أَن أكون صامتةً أحاول أَن أتجرع نظرية يابسة مفادها بأَن غَداً سيكون أَفْضَل..

كانت هذه الكلمات أمسية ألحان صامتة تعزفها منى قبل خلودها إلى النوم في غرفة نومها المخصصة عند صديقتها فادية, التي وجدت نفسها منى وبعد أَن تفننت الأيام بتعذيبها والتمثيل بها أبشع تمثيل, وجدت نفسها عند صديقتها فادية, تلك المرأة التي كانت وعلى الرغم من قبح نفسيتها إِلا أَنها كانت أفضل الموجودين. بعد أَن قطعت منى شوطاً كبيراً في تماثلها للشفاء من الإنهيار العصبي, لَم يبدي الأطباء ضرورةً لبقائها في المستشفى, على الرغم من أَنهم كانوا يفضلون بقائها لعمل بعض العناية اللازمة, لاسيما وأَن الإضطرابات العصبية بحاجة لبعض الوقت حتى يطمئن الجميع بعودة الأمور إلى نصابها, لولا أَن فادية صديقتها خشيت مِن تضاعف التكاليف المترتبة على إقامتها في المستشفى, وفي ذلك الموقف, لَم تستطع فادية أَن تتخلى عن القليل من المروؤة التي بَقيَت عندها, الأمر الذي دعاها إلى الإصرار على منى أَن تقيم في بيتها مع زوجها وطفلتهما هند.. كانت منى عندما تخلد إلى نومها ترتجف خوفاً مصحوباً بشحوب في الوجه ورعشة وأمواج من دموع شديدة الحرارة, وهي تبكي بصمت وتقول: -أقسم بأَني لست مذنبة, لماذا تعاقبني الحياة إن كانت تريدني أَن أبقى فيها, هل هذه هي ضريبة إقامتي فيها حتى وإن كان رغماً عني.. وفي ذات ليلة, بينما كانت منى على الحال المذكور, تَذَكَّرَت ذلك الشاب التي قامت بالتبرع له بالدم في إحدى المستشفيات, بعدما كاد يوشك على الموت, كان ذلك التذكر مصحوباً بععبارات مفادها: لماذا دائماً أعطي شيئاً لا أملكُه؟ أعطيت البعض منهم من دمي ودمي هو الحياة, وأنا متأكدة بأَن هذه الحياة ليست لي, ورغم ذلك أحاول أَن أحبها كما لو كانت لي, تقول تلك الكلمات, وهي على حالها المذكور, وهي تتخيل أبشع الأرواح وأشباح الأرواح التي اغتصبت أنوثتها بجيوش قَد توغلت بأسلحة رصاصها غايات بشعة ومقاصد منحطة. لَم تكن فادية سيئة الطباع إلى الحد اللامعقول, لكنها تشعر بأَنها هي في القمة وباقي الناس في الأسفل حتى وإن كانوا إخوتها, مع أَن منى هي التي ساهمت وبشكل كبير في اندماجها في المجتمعات العملية وفي سائر المجتمعات على حد سواء.. كان ذلك بالتزامن مع انتقال فادية وزوجها والطفلة هند إلى المنزل الجديد, الأمر الذي دعى الأبوين إلى البحث عن مدرسة ملائمة قريبة من المنزل من أجل هند. كانت مهمة البحث عن مدرسة قريبة من اختصاص منى, التي تأخذ بِيَد هند في الصباح الباكر بينما تكون الأجواء ماطرة, وتذهب بها إلى المدارس القريبة من المنزل حتى وجدت منى مدرسةً مناسبةً لديها حافلات توصيل للمنازل, قامت منى بتقديم أوراق هند, وقامت بالركوب معها في الحافلة حتى تقوم بوصف المكان بشكل دقيق للسائق. بينما كانت فادية تذهب إلى عملها في الصباح وتعود في وقت الظهيرة, ومنى باقية في البيت, تجامل هند وتسايرها, كانت مربيةً بامتياز, على الرغم من أَن هناك فتور تشعر به هند تجاه منى, يصل في الكثير من الأحيان معاملة منى من قبل هند على أَن منى الصغيرة وهند هي الكبيرة. كانت هند الطفلة الوحيدة لدى أبويها, مما أدى ذلك إلى الإفراط في دلالها وإعطاءها كل شيء, حتى وإن كان قبل أوانه, كانت هند ذات طباع مزاجية حادة, متقلبة في رغباتها, إلى الحد الذي يدعو حتى للشك ما بين جنسها كأنثى أو كذكر. ولكن منى وما يكسو طبعها من رقة وشفافية لم تستطع أَن تكره طفلة كهند لَم ترى من الحياة ومن المجتمع الجاد شيء, بل ربما كانت منى تحب هند حباً شديداً, حتى وإن كانت هند تكره منى من دون سبب واضح, ربما يكون السبب هو قيام أمها في الكثير من الحالات بجعل منى تقوم بشؤون المنزل وكأنها خادمة بشكل بحت, أو أَنها تهتم بشؤون هند وكأنها هي المربية لها, حتى كانت تنام معها على السرير إن اقتضى الأمر ذلك, وكانت منى هي التي تقوم بإيقاظها إلى المدرسة, ورغم ذلك كانت العلاقة ومشاعر هند تجاه منى فاترة ومتعجرفة, كأن هند صاحبة العقل الكبير ومنى صاحبة العقل الصغير.. لم تستطع منى البقاء على ذلك الحال وقتاً طويلاً من دون عمل, حتى وإن كان هناك مبلغاً بسيطة قامت منى بإدخاره في البنك منذ زمن, تحسباً لأيام سوداء حتى منى ربما كانت تجهلها, لَم تستطع منى أَن تبقى بصورة الأُم المتفهمة لأحوال الأطفال من حب ومن كره, ولم تستطع منى أَن ترى نفسها وهي تحتمل مزاح فادية الثقيل, لَم تستطع منى أَن تشعر بأَنها عالةً على صديقتها, وهي تقوم في أحيان كثيرة بدور البيبيستر بإمتياز, نَعَم, هي صاحبة قلب رقيق, ولكن لطالما كان ذلك الشعور يغتصب روح منى ولو بصمت, من أجل ذلك خاضت غمار الدخول إلى بوابة ساحة الحياة العملية. وبعد طول البحث, تمكنت منى من العمل كممرضة في إحدى المستشفيات الكبيرة, بعد خضوعها لدورة في التمريض. فكم هو شعور في غاية الأسى والظلم, أَن تقوم منى بتضميد الجرحى وتقوم بخدمة جميع المرضى وهي صاحبة قلب لطالما ينبض بجروح ملتهبة.. استمرت منى بعد إلتحاقها في العمل بالتمريض بالإدخار من راتبها قَدَر المستطاع, إِلا أَن منى امرأة لا تعرف البخل أبداً, فلطالما كانت تقوم بعزيمة صديقتها والطفلة هند إلى أفخر المطاعم, وشراء أجمل الثياب المناسبة لهند. كانت منى تعمل خمسة أيام في الأسبوع, منى مَن تقوم بإختيارها, مضت قرابة الستة أشهر على عمل منى كممرضة, حتى أصبحت مديرةً للممرضين, وبعد فترة أصبحت هي رئيسة القسم, كانت ضرورة العمل الكثيف تقتضي ضرورة التأخير بالنسبة لمنى, الأمر الذي يدعوها للعودة عند الساعة الحادية عشر والنصف ليلاً, وإن كان الجو يكسوه المطر, كانت تصل إلى منزل صديقتها عند الثانية عشر والربع ليلا, الأمر الذي يدعو فادية وزوجها للتذمر أحياناً, فلطالما كانت فادية بحجة المزاح والخوف على مصلحة منى تقوم بإلقاء قذائف من الكلمات المبطنة ما بين الخير والشر والخوف وما إلى ذلك, وهي تزعم بأنها حريصة على مصلحة منى, كانت منى تحاول تغيير المواضيع دائماً, لأنها تعرف بأنها مقيمة عند صديقتها ومن غير المناسب والمحترم الدخول معها في جدال, منى بغنى عنه.. في وقت الظهر, بعد أَن قام الجميع بتناول الغداء, قامت هند وغسلت يدها, وإتجهت على الفور إلى غرفتها, كان هاتفها المحمول يَرِن, وبعد أَن قامت بالرد عليه, وإذا بمنى تمر بالصدفة من أمام غرفتها, وَقَد سَمِعَت هند وهي تقول: -سأكذب عليهم وأخبرهم بأَن مدرستنا ستقيم رحلة, أو أقول لهم بأَني ذاهبة للمذاكرة عند إحدى صديقاتي. لَم تكن منى معتادة على التدخل في شؤون الآخرين مهما بلغت أهميتها, لكنها سَمِعَت من هند تلك الكلمات بالصدفة, ومضت منى تكمل طريقها.. بعد أيام من تلك اللحظة التي شهدتها منى, والكلمات التي قامت بسماعها من هند وهي تخبر صديقتها أو ربما يكون شاب, قامت هند بالكذب على أهلها بأَنها ترغب بالذهاب عند إحدى صديقاتها حتى تقوم معها بالمذاكرة تحضيراً للإمتحانات القريبة, وقد وافقوا على ذهابها, فهي المدللة وفي نفس الوقت على الرغم من طفولتها إِلا أَنها تمتاز بشيء من الوقاحة وقلة الأدب حتى مع أهلها على حساب رغباتها الطفولية. مَضَت خمس ساعات, ولا يزال الجو شتاءً, وهند لَم تأتي بعد, وإذا بالهاتف يَرِن ولحسن الحظ بأَن منى هي التي قامت بالرد على الهاتف الثابت, وإذا بمركز الشرطة الأخلاقية, تغير لون وجه منى, وبعد أَن أغلقت السماعة قامت بحك كفيها بصمت. في الخطوة الأولى, لَم تقم منى بالتسرع وبإخبار فادية وزوجها بأَن ابنتهم المدللة هند في مركز الشرطة, لأن منى أَحَسَّت بأن هناك مصيبة حدثت أو ربما ستحدث, وهم رغم دلالهم لها, إِلا أَنهم حريصون بعض الشيء على سمعتها كبنت لَم تبلغ بعد. بَقِيَت منى جالسةً لمدة بسيطة, وبعد ذلك تحايلت بأَنها عليها الخروج لأمرٍ طارئ, لتغطية النقص في الممرضات, لَم تعطي أحد الفرصة لسؤالها إن كانت تريد أحد يوصلها أَم لا. منى, تلك التي لَم تدخل أَي مركزاً للشرطة في حياتها, وإن كانت صاحبة حق مشروع, الآن قامت بدخوله من أجل أَن تحمي طفلةً اسمها هند وأَن تخرجها بأقل الخسائر, على الرغم من أَن هند ربما تكره منى لبعض الشيء. وبعد وقوف طويل, بدأت أعصاب منى تحترق من انتظار أي سيارة, ليست من الضرورة بأَن تكون سيارة أجرة, جاءت من بعيد سيارة أجرة بدت علامات الشتاءء واضحةً عليها بعض الشيء, وذلك بجفاف شحمها وتجمد زيت العجلات والمقود. إضافةً إلى أَنها كانت قديمة بعض الشيء, لم يكن أمام منى حلاً بديلا, قامت بالركوب, وإذا بها تصل في الوقت المناسب, إذ أَن الشرطة كانت على وشك إحالة هند إلى ما يسمى بالإصلاحية, مع بعض صديقاتها, وبعد توسل عميق للضابط المسؤول, وبعد أَن قامت منى بالكذب عليهم وبإخبارهم بأَن أهلها مسافرون وهي وحدها معها في المنزل, تركوها, بعد أَن قامت منى بالإمضاء على تعهد, بإعتبارها مسؤولة عنها حتى عودة أهلها. وبعد الخروج, عادتا معاً في ذات السيارة, قالت منى بشيء من الحزم: -هند... ماذا جرى؟؟ أخبريني بهدوء, وهي تتابع: أنا لَم أَقُل لأهلكي بأَني ذاهبة إلى مركز الشرطة عندما اتصلوا, ولحسن الحظ أنا مَن قام بالرد على الهاتف, لَم تكن هند في وضع طبيعي, بدأت بإخبارها بأَن قامت إحداهن بالضحك عليها, وذهبتا معاً إلى بيتٍ مشبوه, وإذا برجال الشرطة يكسرون الأبواب ويدخلون بشكل مفاجئ, كانت تبكي وترتجف بخوف شديد, وَقَد عانقت منى وهي ترجوها أَلّا تخبر أحداً, ضمتها منى إلى صدرها وهي تهدئ من روعها وتحاول طمأنتها بأَنها لن تقوم بإخبار أحد. على الرغم من إدراك منى بأَن هند مهما بلغ منها من تصرفات, إِلا أَنها قامت بالعرض عليها أَن تصبح صديقتها, وهي بذلك تعلم بأَن ذلك العرض لشعور هند بالطمأنينة, وفي لحظة الصدمة من هول ما شاهدته هند وافقت, لكنها سرعان ما قامت بالعدول عن ذلك في الأيام القادمة؛ لأنها لا زالت تجهل كثير من أمور المجتمع ومداخل الحياة المتعرجة. وفي تلك الليلة, لَم تَدَع منى هند أَن تنام وحدها, قامت بالنوم معها على السرير, لَم تكن ليلةً هادئة, فكلما يمضي بعض الوقت, تبكي هند وترتجف من غير شعور, ومنى تهدئ مِن روعها وتسقيها كوب من الماء, وهي تحاول إقناعها بأَن جميع البَشَر يخطئون, ولكن ما يهمنا هو التعلم من أخطائنا, كان ذلك الكلام بما يناسب استيعاب هند, وبالطريقة التي تستطيع هند أَن تستوعبها. في تلك الليلة, كان نوم منى مع هند أمراً يدعو للشك بعض الشيء من قبل أمها وأبيها, قالت لهما منى بمزاح: -لقد أصبحنا أنا وهند صديقتان صح يا هند؟. وبعد مضي فترة على تلك الحادثة, لا زالت القصة التي حدثت طَي الكتمان, على أَن منى ستقوم بالتصرف الهادئ لو تكررت القصة, حتى لو قامت بإخبار أبويها, ولكن بطريقة مناسبة, فيما لو تكرر ما حدث.. ؟ كان يوم الأربعاء يصادف الإجازة الأسبوعية لمنى, مما دعاها أَن تقترح على صديقتها فادية الخروج في وقت العصر في نزهة في هذه الأجواء الشتوية الرائعة, أبدت فادية سرورها وفرحها بذلك, وقبل المساء, كانتا تتبادلان الآراء في اختيار الثياب, ولأن الغرف كانت متجاورة كانت منى تذهب إلى غرفة فادية وهي في طور تبديل الملابس. ولكن منى غاب عن عقلها الصافي بأَن هند ستجعلها عبر آلة التصوير للهاتف الذكي المحمول حقل تجارب, حالها حال الحياة العاصفة, قامت هند بتصوير منى وهي لا زالت في تبديل ملابسها, كانت براءة ماكرةً خبيثةً مميتة, تدل على خصال فطرية سيئة تسكن في ذات هند, كحتى وإن كانت طفلة. مضت ساعات المساء, وكانت نزهةً سعيدة, ربما كانت تلك النزهة سعيدة بالنسبة لمنى حتى تهيئها إلى ما قَد يحصل من مصيبة في اليوم التالي. وفي الصباح الباكر, على شبكة الإنترنت, ظهرت صورة منى التي التقطتها لها هند وهي شبه عارية, بشعرها المفرود, وبجسدها الأنيق المتمايل. والسبب الذي دعى هند لنشرها عبر صفحات الإنترنت وعبر برامج المحادثة الإجتماعية هو إلحاح صديقاتها في المدرسة وإقناعها بأَنها سوف تكون مشهورة حال فعلها هذا الشيء, فَلَم تَجِد سوى منى فأرة لحقل تجاربها الطفولية الخبيثة. باتت منى في موقف فظيع لا تُحْسَد عليه, فقامت بمحاولات كثيرة على أَن تقنع فادية وزوجها بأَنها لن تخرج مع أي شخص أبداً, لكنهما رفضا تصديقهاو وكانت الأوقات المتأخرة التي تأتي منى بها إلى المنزل هي الدليل القاطع ضدها, ولم يخلو الأمر من التذكير من قبل فادية لمنى بأنها قد آوتها في منزلها, وما إلى ذلك من عبارات المن والأذى, التي وصلت إلى الطعن في شرفها وإن كان ذلك بشكل ضمني, وكأن فادية قَد نست نفسها عندما كانت تعمل كعارضة أزياء للملابس القصيرة الشتوية والصيفية. وكما نقول بالعامية: -صارت فادية كأنها شريفة مكة.. كأنها لَم تقم بمهاتفة الكثير من الرجال من دون ضرورة في أوقات الليل المتأخرة, ومن يرى مهاجمتها لمنى يقول بأنها لَم تقم يوماً بالخروج مع أييييييييي أحد لتناول وجبة غداء في أحد المطاعم الكبيرة, هل أصبحت فادية هي الحمل الوديع وصارت منى هي الذئب المفترس الخاضع لشهواته؟!!؟ ياله من زمن أعمى ومريض, ذلك الزمن الذي تفاقمت حاله المرضية ليصير أعمى بصراً وبصيرةً. وفي اليوم التالي, تنازعت المصائب وتقاتلت أي منهما يريد الوصول إلى منى, فبعد وصولها إلى عملها, تفاجأت بورقة موقعة من كافة رؤساء مجلس الإدارة, تفيد بإنهاء خدمات منى, لقاء ما شاهدوه على شبكات التواصل الإجتماعي وبرامج المحادثة الإجتماعية وعلى بريدهم الإلكتروني, ومن يرى أولئك المدراء عندما يسهرون في الملاهي الليلية ويرقصون مع ال.....ش..... يقولون بأنهم في أعمارهم لم يرتكبوا عيباً واحداً, فمن كان يراهم وهم في تلك الهيئة, يستغربون من ردة فعلهم وهم حريصون على سمعة المكان, إن هذا لشيء ساخر وعجيب!!. في ذلك اليوم, لَم تستطع منى إقناع العبيد, فلجأت إلى رب السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى, فصارت تبكي بكاءها الشديد وتدعو الله, تبكي وتدعو تبكي وتدعو, حتى السماء تغيرت ألوانها من أَجْل الظلم الطفولي الحقير التي تعرضت له منى, والظلم الأشد من عدم تصديق الكبار أنفسهم. استأنفت منى البحث عن عمل آخر, ولكنها لا تدري بأَنها كَمَن يبحث عن الإبرة في كومة القش, وعندما حدث ما حدث, لم يتركها زوج صديقتها فادية أَن تخرج وحدها حتى إلى أقصر الأماكن, ولطالما حاول ذلك الحقير أَن يقوم لها ببعض الإيماآت التي تدل على التحرش بشهوة منحطة, فكل مَن كان يراها, كان يقول بينه وبين نفسه: -لا أريد تلويث سمعة المكان, والبعض منهم كان يقبلها بحجة زيادة الإقبال للمكان التي هي تعمل فيه, تقول منى الطاهرة: -يا رب, لقد أُنْزِلَت سورة في القرآن هي سورة النور, حتى تُبَرئ بآياتها عائشةً رضي الله عنها.. تتابع منى الطاهرة وهي تبكي وتقول مناجيةً لربها: -يا رب أنا لست كعائشة أم المؤمنين وزوجة خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم, أنا أنا أَمة لك يا رب اسمها منى ظُلِمَت في حياتها فماتت وعاشت آلاف المرات, يا رب أظهر الحقيقة يا مَن يُخْرِج الخبء من الجبال, يا مَن تعلم حبة الخردل الصغيرة في أي أرض تكون. بعبارة كن فيكون, خلق الله الكون, وربما بحرقة قلب منى بَدَّل الله السماء في هذه المدينة, حتى تصير حمراء اللون كَمَا لو أَن هناك قتال بين الملائكة, وكان البرد أَشَد من كل مرة, مصحوباً بعواصف من الغبار وبصحبة بعض من الريح العاتية. لم تكن منى مريم العذراء, لكنها كانت تشبهها بالطهر, فمريم العذراء كانت طاهرة ومنى طاهرة أيضاً. لم يتسنى للشركات ولا حتى للمدارس والمنشآت العملية أَن تتخذ الإجراءات اللازمة, على الرغم من تنبؤ الأرصاد الجوية بحدوث عاصفة شديدة, إِلا أَن تلك العاصفة جاءت قبل موعدها المتنبأ به, الأمر الذي أبقى كل شيء على حاله, ولم يملك أولئك سوى الخروج المبكر من المدارس ومن الشركات. قامت المدرسة التي تدرس فيها الطفلة هند التي صارت في ربيعها الخامس عشر, قامت بالتسريع في ذهاب الطالبات إلى منازلهم بأقصى سرعة, وقد فُتِحَت أبواب السماء بماء منهمر. وبينما كانت الطالبات في الحافلة, كان السائق مسرعاً بعض الشيء, مما جعله يفقد سيطرته عند إحدى المنعطفات المنحدرة, أدى ذلك لإنقلابها ثلاث مرات قبل نزولها في وادٍ كبير يقع في ذلك الشارع, ولأن كان الجو في غاية الصعوبة أدى إلى تأخر فرق الإنقاذ وسيارات الإسعاف بعض الشيء, مما زاد ذلك في بشاعة الإصابات وعدد الوفيات. في ذلك اليوم,, حصل عدد كبير من الحوادث المرورية جراء العاصفة التي كانت أقرب ما تكون للإعصار, ولكن كان حادثة الحافلة المنقلبة متصدرة في الصحف المرئية وسائر وسائل الإعلام. كانت مناظر الجثث في غاية البشاعة, ولكن كانت جثة الطفلة هند متفتتة, وقد خلت من أي ملابس, حتى وإن كانت ممزقة من أثر الحادث, كانت أعضاء الطفلة هند الداخلية واضحة المعالم, إذ أَنها لَم تكن شبه عارية, بل كانت في كامل عريها وهي مَيِّتة, لتحتل هذه الصورة المراكز الأولى على شبكات التواصل الإجتماعي, وتصبح من الرسائل المتبادلة في الهواتف الذكية, كَمَا حصل مع منى وهي حية, لكن هند كان حالها حال الغلام المذكور في سورة الكهف عندما قتله الخضر عليه السلام. لم تكن أسرتها قَد عَلِمَت بالحادث المريع بعد, جاء الليل بوقت مبكر, وهند لَم يأتي أي خبر عنها, الجميع في غاية القلق, وبعد بضع دقائق جاء ناقوس الموت, وبعد أَن رفعت فادية سماعة الهاتف, إذا بها تلبث ثلاث ثوانٍ بعد ذلك إرتجفت وصرَخَت, ووقع مغشي عليها, أصيب الجميع في الذعر, الزوج ومنى, سارعت منى بأخذ سماعة الهاتف, بينما إلتفت الزوج لمحاولة إيقاظ فادية, وإذا بمنى تبكي وتضرب على ركبتيها وهي تقول: لااااااااااااااااء يا رب... لااااااااااااء يا رب.. الزوج: -منى, أجيبي ماذا حصل؟؟؟؟ مَن كالن على الهاتف؟؟ ماذا جرى لكما؟؟! وإذا بالفاجعة, هند ماتت ليت الملائكة اكتفوا بأخذ روحها من جسدها فقط, بل كانت ميتةً مخيفة وخاتمة سيئة. بدأت التحقيقات بالموضوع, وبدأ التفتيش الدقيق في كل محتويات البنات المحمولة معهم من حقائب في ذلك الوقت, لأن البلد كانت في وضع أمني صعب نسبياً. أصيبت فادية بالعمى, والشلل, وذلك قبل أَن تتمكن من وداع ابنتها إلى القبر, وبينما كان الزوج خارج للتجهيز لإجراءات الدفن, وهو في سيارته, جاءته رسالة عبر الهاتف الجوال, وإذا بتلك الرسالة صورة ابنته هند وهي قَد ماتت في لحظة وقوع الحادث وأعضاء جسدها الداخلية ظاهرة كَمَا الشمس, ليرى نفسه انحرف عن المسار الصحيح فإرتطم بعمود كهربائي أدى بتفحم الجثة والسيارة بشكل كامل, لم يبقى سوى الرأس. أصبحت متابعة الأمور الميدانية على عاتق منى, لتصير محاصرةً ما بين حالة فادية ووفاة كل من الزوج والطفلة, وبقاء فادية في المستشفى, وفي ذلك البيت, لَم يبقَ, سوى منى وفادية, منى, التي لَو عَلِمَت أَن إظهار الحقيقة سيكون على حساب طفلة لَم ترى من حياتها شيء, لقامت بالدعاء على نفسها, أصبحت منى ملازمةً لفادية, تسهر عند سريرها كَمَا تسهر الأم الحنون عندما يشعر ابنها بالمرض, تحاول إضفاء شيئاً من السرور على قلبها, ربما منى تفهم بأَن حالة فادية الآن كما هي حالة الأطفال الصغار, يشعرون بالسرور من أي شيء, والعكس. باتت منى في حيرة الآن, إن قامت بالخروج بحثاً عن عمل, فكيف تترك فادية لحظات طويلة في البيت؟ لولا أَن الله وفقها بسرعة البرق, فوجدت في أحد الأسواق محلاً لبيع الشموع بمختلف أنواعها, كانت مديرة المحل تدعى ياسمين, وهي لها مِن اسمها نصيب, كان قَد مضى على فضيحة الصورة المأخوذة لمنى سنتان تقريباً, حتى ياسمين كان جمالها وأنوثتها الرقيقة أكبر من نبش الماضي بطريقة بشعة, بدأت منى مباشرة العمل كبائعة شموع, ازدادت علاقتها متانةً بياسمين, كانت منى تأتي إلى البيت حاملة معها وجبة الغداء وتقوم بإطعام فادية بِيَدها, بعد تبديل ملابسها, وفادية تقول سامحيني منى ولكن بصعوبة, فقد عقد لسانها, وتثاقلت كلماتها, ومنى قَد تجاهلت كل ما حَدَث وقالت لها: -لماذا علَي أَن أسامحكي؟ هل حدث شيء؟ وأتبعت منى ممازحة وهي تبتسم لتخفف عنها فقالت: -أَم أَنكي تريدين أَن تقوم حبيبتكي منى بالزعل منكي؟. بقيت منى بائعة للشموع, تلك الشموع التي تضيء للناس أفراحهم وسائر أيام ميلادهم, وفي الأحيان تناجي منى نفسها بألم وتقول غير معترضة: يا رب لماذا أبيع شيئاً لَم يكن لي؟ أبيع لهم الفرح والسرور, فأين أنا من ذلك الفرح والسرور؟ وهي تبكي وتدعو الله بفرج قريب, كان اللواء هاني الأسعد ذلك المنى لمنى, إذ أَنه أصبح من رواد ذلك المحل, لأن ذلك المحل يقوم ببيع شموع تتنوع ما بين الشموع المصنوعة بأشكال متعددة وما بين عطورها الفواحة الفرنسية وبعض العطور الفواحة الشرقية. كان الإنسجام قَد بدى واضحاً على الطرفين, لتكون المفاجأة السارة مضاعفة من الله لمنى, إذ أَنه تبين بأنه هو من يتابع التحقيق بقضية الحافلة المنقلبة من الألف إلى الياء, فصدمت منى وبكت بكاءً مزدوجاً لكنه متعانق بالفرح, بعدما قال لها هاني وهو يتابع القصة: -عثرنا عندما قمنا بتفتيش أحد الهواتف الذكية لطفلة تدعى هند على رسالة قامت هند بإرسالها وهي تقول: قُمْت بتصوير منى صديقة والدتي وقمت بوضع الصورة على الإنترنت, والجدير بالذكر بأَن اللواء هاني الأسعد كان من الذين شاهدوا الصورة. فرحت ياسمين بدخول منى مدينة الحب فرحاً شديداً, وتمنت لها الحظ السعيد, تذكرت منى كيف أَنها كانت عندما ترى إحدى صديقاتها في المدرسة تبكي لأمر ضايقها تسارع بقول نكتة من العيار الثقيل في الضحك, وهي تحاول أَن تصنع البسمة على وجه صديقاتها, بينما في داخلها نبض لألم لا يعلم به سوى الله.. كان عرساً رائعاً, حضره كبار المسؤولين والضباط العسكريين, لتقوم منى بصحبة هاني بالإستقلال في باريس عاصمة الحضارة والموضة والجمال والسعادة من أبوابها الواسعة, وقد قامت منى في باريس بفتح مصنع للشموع وفي الطابق الثاني فتحت محل يعد من أكبر وأشهر محلات باريس لبيع الشموع المنتجة من ذات المصنع, وهي تقول وقد أصبحت روحها ترتدي ثياب السعادة: -هاني, ربما كُنْت أنت الشمعة المخبأة في ذلك المحل الذي كنت أعمل به, ولكن لماذا تأخرت بالظهور؟ فإبتسم وعانقها وهو يقول: كُنْت أنتظر الحب من بائعة تلك الشموع..




ق . ق . ج . تــمــتـمـــات إعــســـار ...


فـــي ســــاعــة عـــســـر



يــجـمــــع حــواســـة و أفــكــــــاره



يـــــوقــــن بـــطــريــــق واحــــد لـلـــــخــلاص



يـتــمــــتــــم ..



( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ..) .



*

ابو الفوز

1/2/2014





الأحد، 2 فبراير 2014

النصيحة بجمل

يحكى أن أحدهم ضاقت به سبل العيش ، فسئم الحياة وقرر أن يهيم على وجهه في بلاد الله الواسعة




فترك بيته وأهله وغادر المنطقة متجهاً نحو الشرق وسار طويلاً




حتى وصل بعد جهدٍ كبير ومشقةٍ عظيمة




إلى منطقة شرقيّ الجزيرة وقادته الخطى إلى بيت أحد الأجواد الذي رحّب به وأكرم وفادته




وبعد انقضاء أيام الضيافة سأله عن غايته ، فأخبره بها ، فقال له المضيف :




ما رأيك أن تعمل عندي على أن أعطيك ما يرضيك




ولما كان صاحبنا بحاجة إلى مكان يأوي إليـه ، وإلى عملٍ يعمل فيه اتفق معه على ذلك .




وعمل الرجل عند مضيفه أحياناً يرعى الإبل وأحياناً أخرى يعمل في مضافته يعدّ القهوة ويقدمها للضيوف




ودام على ذلك الحال عدة سنوات كان الشيخ يكافئه خلالها ببعض الإبل والماشية .




ومضت عدة سنوات اشتاق فيها الرجل لبيته وعائلته وتاقت نفسُه إلى بلاده وإلى رؤية أهله وأبنائه




فأخبر صاحب البيت عن نيته في العودة إلى بلده ، فعزّ عليه فراقه لصدقه وأمانته




وأعطاه الكثير من المواشي وبعض الإبل وودّعه وتمنى له أن يصل إلى أهله وهو بخير وسلامة




وسار الرجل ما شاء الله له أن يسير ، وبعد أن قطع مسافة طويلة في الصحراء القاحلة




رأى شيخاً جالساً على قارعة الطريق ، ليس عنده شيء سوى خيمة منصوبة بجانب الطريق




وعندما وصل إليه حيّاه وسأله ماذا يعمل لوحده في هذا المكان الخالي




وتحت حرّ الشمس وهجير الصحراء




فقال له : أنا أعمل في التجارة .




فعجب الرجل وقال له : وما هي تجارتك يا هذا ، وأين بضاعتك ؟




فقال له الشيخ : أنا أبيع نصائح .




فقال الرجل : تبيع نصائح ، وبكم النصيحة ؟!




فقال الشيخ : كلّ نصيحة ببعير .




فأطرق الرجل مفكراً في النصيحة وفي ثمنها الباهظ الذي عمل طويلاً من أجل الحصول عليه




ولكنه في النهاية قرر أن يشتري نصيحة مهما كلفه الأمر




فقال له : هات لي نصيحة ، وسأعطيك بعيراً ؟




فقال له الشيخ :" إذا طلع سهيل لا تأمَن للسيل " .




ففكر الرجل في هذه النصيحة وقال : ما لي ولسهيل في هذه الصحراء الموحشة




وماذا تنفعني هذه النصيحة في هذا الوقت بالذات . وعندما وجد أنها لا تنفعه




قال للشيخ : هات لي نصيحة أخرى وسأعطيك بعيراً آخر .




فقال له الشيخ : " أبو عيون بُرْق وأسنان فُرْق لا تأمن له " .




وتأمل صاحبنا هذه النصيحة أيضاً وأدارها في فكره ولم يجد بها أي فائدة




فقال والله لأغامرنّ حتى النهاية حتى لو ضاع تعبي كلّه في دقائق معدودة




فقال للشيخ هات النصيحة الثالثة وسأعطيك بعيراً آخر




فقال له : " نام على النَّدَم ولا تنام على الدم "




ولم تكن النصيحة الثالثة بأفضل من سابقتيها ، فترك الرجل ذلك الشيخ وساق ما معه من مواشٍ وسار




في طريقه وظل يسير لعدة أيام نسي خلالها النصائح من كثرة التعب وشدّة الحر




وفي أحد الأيام أدركه المساء فوصل إلى قوم من العربان قد نصبوا خيامهم ومضاربهم في قاع وادٍ كبير




فتعشّى عند أحدهم وباتَ عنده ، وفي الليل وبينما كان ساهراً يتأمل النجوم طلع نجم سُهيل




وعندما رآه الرجل تذكّر النصيحة التي قالها له الشيخ ففرّ مذعوراً




وأيقظَ صاحب البيت وأخبره بقصة النصيحة




وطلب منه أن يخبر قومه حتى يخرجوا من قاع ذلك الوادي




ولكن المضيف سخر منه ومن قلّة عقله ولم يكترث له ولم يأبه لكلامه




فقال والله لقد اشتريت النصيحة ببعير ولن أنام




في قاع هذا الوادي ، فقرر أن يبيت على مكان مرتفع فأخذ جاعِدَهُ ونام على مكان مرتفع




بجانب الوادي وفي أواخر الليل جاء السيل يهدر كالرعد فأخذ البيوت والعربان




ولم يُبقِ سوى بعض المواشي وساق الرجل ما تبقى من المواشي وأضافها إلى مواشيه




وأنعق لها فتبعته وسار في طريقه عدة أيام أخر حتى وصل في أحد الأيام إلى بيت في الصحراء




فرحب به صاحب البيت وكان رجلاً نحيفاً خفيف الحركة




وأخذ يزيد في الترحيب به والتذبذب إليه حتى أوجس منه خيفة




فنظر إليه وإذا به " ذو عيون بُرْق وأسنان فُرْق




" فقال : آه هذا الذي أوصاني عنه الشيخ ، إن به نفس المواصفات لا ينقص منها شيء




وفي الليل تظاهر الرجل بأنه يريد أن يبيت خارج البيت قريباً من مواشيه وأغنامـه




وأخذ فراشه وجَرَّه في ناحية ولكنه وضع حجارة تحت اللحاف وانتحى مكاناً غير بعيد




يراقب منه حركات مضيفه وبعد أن أيقن المضيف أن ضيفه قد نامخاصة بعد أن لم يرَ حراكاً له




أخذ يقترب منه على رؤوس أصابعه حتى وصله ولما لم يسمع منه أية حركة تأكد له أنه نائم بالفعل




فعاد وأخذ سيفه وتقدم منه ببطء ثم هوى عليه بسيفه بضربه شديدة




ولكن الضيف كان يقف وراءه فقال له : لقد اشتريت والله النصيحة ببعير ثم ضربه بسيفه فقتلـه




وساق ماشيته وغاب في أعماق الصحراء وبعد مسيرة عدة أيام وصل في ساعات الليل




إلى منطقة أهله فوجد مضارب قومه على حالها فترك ماشيته خارج الحيّ




وسار ناحية بيته ورفع الرواق ودخل البيت فوجد زوجته نائمة وبجانبها شاب طويل الشعر




فاغتاظ لذلك ووضع يده على حسامه وأراد أن يهوى به على رؤوس الأثنين




وفجأة تذكر النصيحة الثالثة التي تقول " نام على الندم ولا تنام على الدم "




فبردت أعصابه وهدأ قليلاً فتركهم على حالهم




وخرج من البيت وعاد إلى أغنامه ونام عندها حتى الصباح




وبعد شروق الشمس ساق أغنامه واقترب من البيت فعرفه الناس ورحبوا به ، واستقبله أهل بيته




وقالوا : والله من زمان يا رجل ، لقد تركتنا منذ فترة طويلة




انظر كيف كبر خلالها ابنك حتى أصبح رجلاً ونظر الرجل إلى ابنه وإذا به ذلك الشاب




الذي كان ينام بالأمس بجانب زوجته فحمد الله على سلامتهم




وشكر ربه أن هداه إلى عدم قتلهم وقال بينه وبين نفسه والله إن كل نصيحة أحسن من بعير




وهكذا فإن النصيحة لا تقدّر بثمن إذا فهمناها وعملنا بها في الوقت المناسب




(قصة مشهورة)