القتل البريئ.
أنا التي جئت إلى حياتي لأعيشها, ظننت أني قادرة على ذلك, فما زادني بقائي فيها إِلا غموضاً, لأصير قاتلة ومقتولة معاً..
بعدما قامت بتركه ثلاثة أعوام, جاءت لتقوم بعزاء ذويه بعد موته, أخبروها بأنه قَد مات, فجاءت من خلف ستار الكواكب والمجرات والنجوم. جاءت على أصواتٍ قَد امتزجت ما بين النحيب عليه, وأصواتاً أخرى لطالما كانت تقول وستبقى تقول: جاء إلى حياته غريباً, وعاش غريباً, وهاهو الآن قَد مات بصمت غريب مريب في منفاه الروحي والوطني. ربما كانت هي أول القاتلين له, قَتَلَتْه عابثةً وهي قد ارتقت قمة نشوتها في أنانيتها, ربما اغتصبت الأنانية روحها, وربما هي التي صالت وجالت وضربت مغارب الأرض قبل مشارقها بحثاً عن ثوباً من الأنانية, عسى ذلك الثوب أَن يَسْتُرَ عورة الكبرياء العاري والعاهر. جاءت, فوجدت والدته التي أصبحت مقعدة بعد فراقه, فعانَقَتْها, وَبَكَت وبَكَت وَبَكَت وَبَكَت وهي تقول: ربما أنا التي قتلته, ربما أنا التي قتلته, ربما أنا التي قتلته. أَتبَعَت والدة الفقيد تقول بإنهيار: كان يأخذ حبكي ويذهب به بعيداً حتى لا يراه أحد. جاء به الرجال, بعد تغسيله وتكفينه, على ما يغسلونه؟ هل كانوا يغسلونه على طهر نفسه ونقاء قلبه؟ أَم غسلوه على حبٍ لم يرى النور بعد, بل فقد نوره بأنامل طفلة عابثة في هذه الحياة. وضعوا النعش أمام أمه والنساء, والتي كان يحبها بل ربما كان الحب يستغيث منه من شدة إعصار قلبه, بَكَت عليه أخته التي عُقِد لسانها, لتصير خرساء بعدما كانت تغرد بألحان لو سمعتها الطيور, لعقدت حلفاً مع الذئاب حتى يأكلوها؛ ليأخذوا حبالها الصوتية, أَما التي كانت تهرب مِن شبح اللعنات فبكت عليه حتى تورمت عيونها. قالت والدته وهي تلطم على خديها: هاهي يا حبيب القلب, أحضرناها إليك كَمَا طَلَبْت في وصيتك يا حبيبي. عرفوها الذين وضعوا نعشه أمام ذويه, فرشقوها بأعينهم بنظرة انحطاط وإنتقام, لذنبٍ ربما جاءت به قاصدة أَم عابثة.أَما مَن تبقى من الذين شهدوا جنازته, فهم أصحاب عيون لا تقوى سوى على الإستعطاف بدموعها, وتلطم على لعنة الحظ الأَسْوَد, وتعيش أسيرةً تناجي أشباح من الذكريات المحنطة. مشت معهم, وهم في طريقهم إلى القبر, لتزيد الأمر استغراب الجميع. كانت أكثر الباكيات عليه, بعد القليل من الباقين, كانت تمشي معهم بسكينة, وقد ابتعدت عن الرجال الحاملين للنعش على أكفهم, وهي تسمع صوت الروح التي تصعد للسماء رويداً رويداً تقول لها: لا عليكي, لا تلومي نفسكي, حتى أنا جئت إلى هذه الحياة لأكون غريباً فيها, حتى أنا جئت إلى هذه الحياة لأكون من التائهين فيها والضائعين, ربما الحياة التي هربت مني بعدما رأتني يا دُرَّة الحياة, لا تلومي نفسكي, فهاهي روحي, خذي ما تستطيعين منها قبل صعودها إلى سماء ربها وإجعليها لكي حظاً سعيداً, كتبت لهم في وصيتي: أَن لا تلوموها, لم أذكر لهم تلك الرسالة الأخيرة, التي قمتي بكتابتها بحروف من نار بريستيجكي. غابت عنها الروح, بعدما فتحت الملائكة أبواب السماء لتصعد الروح إلى منزلتها, أِما سِجّين وإما في عِلّيّين. بدأ الجميع بحفر القبر, فقالت وهي تصرخ: كانت رسالتي هي التي قتلته, كان قتلاً بريئاً, اقتلوني معه أرجوكم, زفوني إليه, خذوا شَعْري وضعوه على أطراف القبر, سامحوني أرجوكم, أنا التي جئت إلى هذه الحياة لأعيشها, فما زادني بقائي فيها إِلا غموضاً, جئت إلى الحياة لأكون جاهلةً بالحياة, ظننت نفسي سيدة المدركين لها, بَقيْت فيها حتى صِرْت بلا ذنب قاتلة ومقتولة, خذوا مني كبريائي خذوا مني الهروب, خذوا مني شبح لعنتي, لأصير ذلك الملاك الطاهر الذي يليق بروحه عندما ألقاه.. بعد موته, نبذها الجميع, ووجدت نفسها مكروهةً حتى من الحياة, فعادت لتصير تلك اللعبة المفضلة لأمواج الخير والقلييييل من الشر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق