عانقيني...
ليس عيباً أَن يقوم الرجل في يوما ما, وعلى حين غفلة من صرامته أَن يبكي على كتف امرأة, ففي بداية الحياة للطفل, أَلَم يُخْلَق وَقَد كان باكياً في حضن أمه؟ ألم تكن أمه امرأة؟ ليس عيباً أَن يفاوض شرقيته ورجولته بأَن يكفيكي صراخ, ويطلب من امرأة إعطائه منديلاً, يمسح دموعاً مشردة مِن سكنها. يا ست النساء, يا مَن قُمْت بعهودي ومواثيقي معها, أَعْرِف بأَني ظَلَمْتُكي بيني وبين نفسي ظُلْماً كثيراً, أَعْرِف بأَني نَظَرْت إليكي تلك النظرة العمياء, التي تقول بأَن جميعهن سواسية, لا فرق بينهن, كل منهن تَدَّعي ما تَدَّعي به من تلك القِيَم, وهي أبعد من البعيد عنها. في ذلك الوقت, لَم أَكُن أنا, ربما كان هناك شخصاً آخر تَوَغَّل الروح, وإستباح كل ما فيها, بما فيها تلك عهودي لَكي وتلك المواثيق بالبقاء رغم كل شيء. أَعْرِف بأَني لَم أَرَكي منذ مدة, في ذلك المساء, عند الساعة الخامسة, لَم أَشْعُر بنفسي إِلا وأنا أمام بَيْتكي, لَم أَكُن مكترثاً وقتها لأَي شيء, كل ما كنت أرجوه هو أَن أراكي فقط. كانت تلك المفاجأة الأنيقة التي ارتسمت على عينَيْكي عندما أَتَيْت, وكنتي ترتدين طقم الجلد الأَسْوَد, بصحبة حقيبتكي الصغيرة التي لا زلت أذكرها, وتتمتمين بخفية وبخجل, قائلة: -سأكلمك لاحقاً, سنلتقي بعد خروجي من العمل, لا عليك, سأقوم بصنع حيلة لهم.. رغم موقفكي الحرج في ذلك الوقت, ورغم استغراب سكان البيت لقدومي, ورغم تلك النظرات التي رشقوكي بها وهم يتمتمون قائلين مستغربين: -منذ متى وهي على علاقة معه؟ وهل تعرفه منذ مدة. لكنكي قمتي بإحتواء استغرابهم وأسئلتهم, وقلتي لي بذات النبرة الساحرة, وبذات الإبتسامة الأنيقة والهادئة: -تفضل, أهلاً وسهلاً, وقمت بالجلوس بذات الغرفة التي تطل على حديقة المنزل الخارجية. كان ذلك الوقت متزامناً مع حبات المطر, في تلك اللحظة, ما أذكره بأَنَكي قمْتي بإغلاق الباب, غِبْتي وأنتي الغائبة على الدوام, وعُدْتي بطقم الجلد, الذي ترتديه, تحملين بأصابعكي التي تشبه الشموع المعطرة فنجان قهوة, بصحبة شَعْرُكي البُنِّيّ, ذلك الفنجان, الذي قمتي بصنعه لي في اللقاء الأخير في ذات مساء, لا زالت رائحته الزكية تسكن في أرجاء الروح, وتكسو الأنفاس بتلك الثياب العطرة, ولكن تلك الرائحة تصحو من نومها وتنادي القلب قائلة: -أين صاحبة ذلك الفنجان؟ أَدْرَكْنا جميعاً بأَنَّكي أُمَّاً للحياة, تلك الأم المتفهمة, التي تصنع الرِقة والرفق في كل شيء قاسٍ. حاوَلْت بأَن أُطْلِق لساني حتى أبارك لكي بذلك التحرر الجديد, وأسألُكي بحياء مني: -أين ذلك الحجاب؟ هل غاب وإحتجب عن شَعْرُكي البُنِّيّ؟ لكني وكعادتي كان خجلي سِكيناً يقتل الكلام. تسأَليني بهدوء أنيق: -كيف حالك؟ أَخبرني, ما الذي يحدث معك؟, لا عليك, أنا لست معاتبة لك, أعرِف بأَن في داخلك طِفل نظيف, يختبئ خلف نبضات قلبك, أنا متأكدة بأَنك تعاني ولا زلت تعاني, من أجل ذلك كنت متفهمة لمزاجيتك الزائدة, لَم أكن حمقاء, صَدِّقْني ربما أعلم أشياء وأشيااااااء وأشياء.. وأَتْبَعْتي بإبتسامة تقولين: -أَعْلَم بأَنك كنت تفكر بي بشكل سيئ, ولكني كَمَا أخبرتك, كنت متأكدة مِن وجود ذلك الكائن النظيف. ربما تجعلني الحياة وترغمني على أَن أكون صامتة أحياناً, وأَن أقوم بصنع دور المرأة الغبية, التي تخفي خلف ذلك الغباء ذكاء. قاطعتها قائلا: -أشعر بأَني مللت من كل شيء, الحياة تخنقني, كل منهم يدعي الكذب, كل منهم يحاول شعوري بعدم وجود الذات, وَبَكَيْت على كتفَيْكي, فعانقتيني بحياء أنيق, كانت خصال شعركي كتاب روحي المقَدَّس, شَعَرْت بتلك الراحة عندما خففتي عني وقلتي لي بإبتسامة, أنا لَم أَكُن يوماً منك غاضبة, ربما أنت الذي تغضب من نفسك, وختمتي اللقاء بضحكة أنيقة. أوصيتيني بالهدوء, والإنتباه لنفسي, وأنتي تقولين بحزمٍ هادئ: -أريدك أَن تبقى قوي على الدوام كَمَا عَهِدْتُك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق