السبت، 29 مارس 2014

أوراق الياسمين, الجزء الثامن والتاسع, حسام الداود..


8.. أنا لست بخير..

في اليوم التالي, لم يكن لدي عمل, كانت عطلة نهاية الأسبوع, انتابتني أعاصير الحيرة في كذبةٍ عسى أَن تكون مُسَكِّناً يُسْكِت تلك الشكوك الملتهبة لأهلي جراء خروجي المتكرر, كيف يمكنني إقناعهم بسبب الخروج واليوم هو يوم عطلة لا عمل فيه؟ وإذا بحيلة سريعة قد أَسْكَتَت ثرثرة أفكاري الخائفة, قمت بربط منبه الهاتف, حتى يرن رنة عادية بعد نصف ساعة, وهذا ما حدث بالفعل, قمت بالتمثيل بأَني أتحدث مع صديقتي في العمل, وقلت لها بإبتذال: -سأسأل أهلي إن لم يكن لديهم مانع بخروجي, قمت بوضع الهاتف على الطاولة قليلاً, وكطفلةٍ وديعة بادَرْتُهُم بالسؤال بأَن يسمحوا لي بالخروج مساءً, ولحسن الحظ سمحوا لي. كانت فرحتي كطفلةٍ اشترى لها والدها لعبة, قمت إلى غرفتي, فَتَحْت خزانتي, تَذَكَّرْت بأَنه قال لي يريدني أَن أظهر معه بتنورة ساتان سوداء اللون مع بلوزة حمراء. وعلى حين غفلة من تلك الفرحة التي تعيش فقط لتكون سعيدة حتى ولو كانت بلا ذاكرة, جَلَسْت على سريري, كُنْت قَد خَلَعْت ملابسي, وإذا بأمواج حزنٍ مصحوباً بالبكاء يأتيني بلا استإذان, كأَني استيقَظْت من فُتُوُن أنوثتي وتحرري الصارخ الغير متعقل إلى مرارة واقعي كأنثى تحت كَنَف أسرة متشددة شرقية. قلت بحروف تتخذ من الغصة حِضناً لها وبدمعٍ بدى يتساقط: -سأذْهَب معه حتى أكون ذلك الصدر الذي يعانقه, نَعَم, سأخرج معه.. حتى أكون تلك الفريسة التي يتلذذ بإيلامها عند اصطيادها. يريدني جسداً أنيقاً فقط, يريدني كتلك العارضة التي ترتدي من الأزياء ما يريده المصمم.. وأَتْبَعْت ببكاء متزايد: -مرة يحب أَن أرتدي له الجلد, ومرة يحب أَن يلبسني ساتان بألوان نزواته وبغريزة هوسه, أين تولين كأنثى تحمل في ذاتها تلك الكرامة الشامخة؟؟ أين ذهبَت؟ أَصْلاً هل كان لتولين كرامة من الأساس؟؟ هل كان لتولين إرادة ورأي مستقل؟؟ ولكن ليس لدي حل من الهروب من خلف تلك القضبان سوى أَن أكون تلك المرأة العارضة للأزياء, وأَن أكون تلك المرأة الرقيقة المتفهمة الذي يحب البكاء على حضنها وعلى صدرها ويتخذ من يديها مناديلاً..

وقمت بالصراخ وأنا أكرر القيام والجلوس بشكل جنوني على السرير, وببكاء ينزف دماً:- أنا لست بخير أنا لست بخير أنا لست بخير, وعانقت وسادتي وبكيت, ولكن أَدْرَكْت بأَن لم يكن لَدَي حل سوى الخروج معه, فهي مجرد أيام وبعدها سأصير تلك الأسيرة معه خلف القضبان الذهبية, مسحت دموعي وقمت بمتابعة تبديل ملابسي, وإذا بهاتفي يرن ليخبرني بأنه قد أتى. لَبِسْت العباءة, ووضعت ما يسمى الحجاب, قمت بوداعهم, فَتَحْت باب السيارة ورسمت على وجهه قبلةً خَفِيّة, قلت له بشوق: -اشتقتلك يا عمري, قال لي بحزمٍ ماكر: -اليوم كوني متأكدة بأنكِ لن تكوني سوى لي أنا وحدي, وبعد سَيْر طويل متناغم بتلك الأجواء الحميمية, وصلنا إلى القصر, لم نذهب إلى الفندق في هذه المرة. قال لي بحب: -هذا سيكون لكِ أنتي فقط. دخلنا إلى تلك الصالة, طلب مني بصيغة الأمر الماكر أَن أجلس, وأَن أضع قدمي على الأخرى, غاب قليلاً, وأتى لي بكوب من الماء, شَرِبْتُه, قلت له بطريقة كلاسيكية: -شكراً, وإذا به يمسكني من أصبع يدي ويجعله بشكل مستدير, وأنا أتألم وأطلب منه أَن يكف عن ذلك, وهو لا زال يسحبني من أصبعي إلى غرفة النوم. تذكرت في تلك اللحظة ذلك الشعور الذي انتابني قبل أَن أخرج من المنزل, فَبَكَيْت, بدى لي وكأنه أَسَد يستعد لتلك الوليمة, وهو يقول: -كَم أنتي جميلة عندما تبكين, فحدثت تلك اللحظة الحاسمة..



9.. بعد مرور ستة أشهر..

لم تكن مراسم زفافي كباقي المراسم, كانت مراسم لحظة العمر على الطائرة. في تلك الليلة, لم أَقُل بأَني كنت كالأميرة, بل كنت أنا الأميرة بحد ذاتها. كان شهر عسل ومراسم احتفال في وقت واحد. استمرت الأفراح ثلاثة أيام, ونحن نسير حول العالم. قَدَّم لي أثمن المجوهرات, جميع ما لذ وطاب من أطعمة وأشربة كانت على الطائرة, كنت في ذلك الشعور المتناقض, التي تقع فيه أي بنت في لحظات زفافها. كنت سعيدة وخائفة في ذات الوقت, على الرغم من أَنه يفكر بطريقة تثير ارتياحي كأنثى تبحث عن الحرية, إِلا أَني لا أَدْرِ سبب ذلك الإحساس الذي يدعوني للخوف من سياسة استعباد ولكن من نوع آخر وبطريقة حديثة. كان الحضور من الشخصيات الكبيرة, جميعهم كانوا ينظرون لي بشهوة لئيمة ويقولون لي: -مبروك يا أميرة, ويقولون له بنبرة خبث مبطن: -عليك أَن تحافظ عليها, فهي جوهرة ثمينة لنا ولك, في بداية الأمر لم أكن لأعير هذه الكلمة اهتماماً كبيراً, لم أكن أعرف ما الذي يقصده ميشيل عندما قال بأني جوهرة في متناول الجميع. ربما هي ضريبة تقاليد عمياء انتقلت لي عدواها دون ذنب يُذْكَر. فأنا كنت حديثة عهد بالمجتمع وعلاقاتي العامة.. وفي ظل فرحة خائفة, تتمايل بخصرها النحيل على ألحان أعضاء الفرقة الموسيقية, التي تُصاحب المطرب, وما بين ضحكاتنا المائلة المائعة, التي اتخذت من عطور الخمر ياسميناً ثَمِل الأوراق, لم أكن على وعيٍ بما كان يجري من حولي, غير أَني أحسست للحظات بأَني قد غِبْت قليلاً عن الحضور, وأحسست بميشيل يأخذني بعيداً ويراقصني..




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق