الأربعاء، 26 مارس 2014

أوراق الياسمين الجزء الخامس والسادس. حسام الداود..


5. في غيبوبة..

عندما سَمِعْت ذلك الصوت, اغتصب جسدي الخوف, لم يكن الشعور بالألم من الخوف مثيراً في هذه المرة, بَكَيْت عليه, وأنا أسأل بحيرة مختنقة: -ما الذي حدث معه؟؟!! لم تمضِ ساعات الليل كَمَا ينبغي بالنسبة لي, بَقيْت ساهرة حتى اليوم التالي, وفي منتصف النهار وبينما كنت في العمل, رن هاتفي, وإذا بإسمه ورقمه يظهر على الشاشة, لكنه لم يكن هو, أخبروني بأَنه في غيبوبة, انطلقت من عملي كالمجنونة بلا استإذان, جَلَسْت على سريره, ووَضَعْت رأسي معه على ذات الوسادة, قَبَّلْتُه بشفتاي الرقيقتين الذي يحبهما, وسألتُه بخوف رقيق, وأنا أُدْرِك بأَنه لن يَسْمَعْني: -حبيبي... أخبرني أرجوك, ولو بكلمة, حتى ولو بحرف واحد, فأنا أستطيع أَن أفهم عليك, أَتَذْكُر عندما ضممتك وقمت بالبكاء على صدري وأخْبَرْتَني بأَني أنا فقط من يمكنها أَن تفهمك؟؟.. هل تشعر بالألم؟؟ هل تشعر بأَن توتة التي تحبها أمامك, تعانقك كما تحب, وتضع رأسك على صدرها, وتمسح على شعرك وتضمك بحب؟؟ قل لي أي شيء, اعشقني بتملك, قم بإذلالي كَمَا تشاء وبالطريقة التي تحبها, ولكن كن بخير, أرجوك, قل لي بأي صورة تحبني أَن أكون, اومئ لي برموش عينيك, ربما تحبني عندما أكون فيها صديقةً عاقلة, تختبئ تحت خيام المنطق المرقع. هل تريدني تلك المرأة التي تبدو كتلك الطفلة الشقية؟؟ أَم هل تحبني وتعشقني أكثر بتلك الصورة التي أبدو فيها أُماً متفهمة تزجر طفلها عن شقاوته وتسكب نظريات تربوية في نصيحته؟؟ أَم هل تحبني عندما أكون تلك المرأة الراشدة البالغة التي لبست روحها وذاتها ثياب النضوج؟؟ قل لي, فأنا سأسمعك.. ولكن لا تكن كحلمٍ جَبَان دخل إلى الليالي الميتة ومن ثم هرب منها على حين غفلة.. وبصوت يرتجف, بتزامن همسات رقيقة مني قلت: -أيتها الغيبوبة, أتوسل إليكي, لا تطرديني مِن تلك القصور التي لن أسكنها يوماً أبداً, أيتها الغيبوبة, أخبريه بأَني أتوسل إليكي كَمَا يحب أَن أتوسل إليه في كل شيء, في تَرْكِه لشعري, وفي عدم السرعة عندما نكون سائرين على الطريق بصحبة السقيع البارد, وجفاف شحوم العجلات وزيوت المحرك في السيارة.. هل ستخبريه؟ أَم تعشقين أَن أتوسل إليكي أكثر وأكثر.. كنت قَد أمسكت بيده, كانت يداي باردة كَمَا كان يحب, قلت له بحنان, ها هي يداي الباردتان, دفئني كالمرة الماضية حتى لا ألومك, وعانَقْتُه وبَكَيْت.. وحتى أبقى بجانبه, قمت بالكذب على أسرتي وبإخبارهم بأَن هناك زميلة لنا في أيامها الأخيرة, خلود التي توفيت منذ ستة أشهر..





6.. في بهو المستشفى..

حبي له ولهفتي عليه, وبكائي عليه, جعل الطبيب المناوب أَن يسألَني مَن أنا بالنسبة له, فصمتّ قليلاً عسى أَن أحاول جمع حطام أجوبة تسكن تحت أنقاض ذاتي, وإذا بي أقول وبلهفة: -أنا أخته. فتبسم ضاحكاً وهو يقول هنيئاً له على هذه الأخت, امرأة جمعت جمال الأكوان الساحرة, وحنان فاق نظيره.. كأن ذلك الطبيب لم يُصَدِّقني, فهو طبيب قدير, كبير السن, ربما لم تكن لتنطلي عليه هذه الكذبة السريعة, لكنه هَز رأسه بإحترام أنيق جداً جداً, يتابع وهو يخبرني عن حالته الأولية قائلاً: -إن التشخيصات الأولية تشير إلى أَنه ربما لو أصبح على قيد الحياة سيبقى مصاباً بنوبات مفاجئة من ارتجاج المخ. بكيت بشدة, وعلى حين غفلة من مشاعري تَرَكْت المستشفى وغادَرْت, وأنا أقول بإنهيار: -أي بؤس يلاحقني؟!.. كَرِهْتُه بشكل مفاجئ, وكأن ما كان بيننا لم يكن يوماً, وفي ذات اللحظة وذات الثانية أحببته بشكل مفاجئ, كنت على وشك أَن استقل سيارة أجرة في حرارة الصيف, ولكني عدت مسرعة إلى بهو المستشفى, فتحت الباب برفق وأَمْسَكْت بيده وأنا أعتذر منه على ما قمت بفعله, أعرف بأنه لن يسمعني, عادت بي الذاكرة إلى اللحظات المجنونة, التي أنعشت أنوثة كانت على وشك الموت, تَذَكَّرْت كل ما مضى, تَذَكَّرْت عندما كنا في الفندق على طاولة العشاء, وجاء إلَي أحد الأطفال, فنظر إلَي تلك النظرة البريئة, ووضع يده الصغيرة على رُكْبَتي, فأجلسته في حضني للحظات, وَجَعَلْتُه يشاركني من ذات الصحن, فقمت بتقبيله والسؤال عن اسمه, وهو ينظر إلَي وإلى الطفل بغيظ. وعندما سألته عن سبب تلك النظرة, أجابني بإرتجاف: -تولين ستكون لي أنا فقط, أنا هو الطفل الذي يستحق حضن تولين وعناق تولين وقبلة تولين وأناقة تولين, وبلا شعور, ضَحِكْت ضحكة مجنونة, وأنا أُعيد تمليس سُترَتي وَتَنّورَتي وأقول بإبتسامة: -إنه طفل يا مجنون طفل.. وفي تلك اللحظة, تركنا طاولة العشاء, وحملني إلى الدهليز الذي تقع فيه الغرفة.. وعندما عُدْت إلى نفسي عاتبتها, كيف لي أَن أرمي تلك الذكريات؟ حالي حال الأطفال الذين يرمون تحفاً غالية الثمن؟!.



بعد مرور شهرين...

لن أستطع السيطرة على نفسي ودهشتي التي كانت كبيرة عندما أخبرني الأطباء بأَنه قد استيقظ من غيبوبته, ولن تأتِ نوبات ارتجاج المخ كَمَا أخبروني بالتشخيص الأولي. بكيت من شدة فرحي به, عاد أملي من جديد, عاد...... وكنت قد أوشكت على أَن أقول عاد حبي الوحيد, ولكني شعرت بإختناق, وكأنما هناك أحد ما يحاول منع هذه الكلمة من الظهور, وما بين صراع مع نفسي تمكنت من قولها, ولكن كانت معطرة بأشواقٍ أَدْرَكْت بأَنها جاءت من أوراق ذابلة من الياسمين.. أخبرني عند استيقاظه بأنه اشتاق لي, كان يشعر بيدي وضمي له وقبلاتي, وأمسك يدي بقوة وأتبع قائلا بصوت منهك: -سنتزوج, حتى تكون تولين لي أنا وحدي فقط, وهنا لا أعرف سبب ظهور ذلك المارد الذي كان متطفلاً على فرحتي بما قاله لي, إنه مارد من الخجل اللئيم الذي تربيت عليه, ولكن بشكل مريض, الأمر الذي دعاني أَن أتظاهر بأَن إحدى الممرضات نادتني..




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق