أرواح بهيئة تماثيل.
في أحدى صباحات الأقدار الهائجة, جاءت إلَي كوردةٍ شقية, رغم احتراقها وقَد بات قلبها ينبض رماداً, إِلا أَنها ورغم كل ما مضى من مشاهد موت مفجع, لا زالت حية, تنثر عبيرها على روحي, هي الوردة التي أنارت لي طريق الحياة, بعد ظلمات بعضها فوق بعض في بحور لُجّية من الأقدار المظلمة. قامت بمداعبتي كطفلة شقية, تحاول أَن تصنع من ضعف أبيها العاجز أملاً بروح نابضة. قالت لي بمرح وبمكر خفيّ: - اليوم سنذهب إلى سهرة, ستكون فيها أميراً صغيراً, وستكون فيها ذلك الطفل الذي وإن كَبُر, فهو لا زال بحاجة إلى رعاية الأم الحازمة والرقيقة, لم أَكُن لأتجرأ بِعَدّ مَن هم الحضور في تلك السهرة المتكسرة, ولكن بِتُّ أصناع مما تبقى من قطرات الحب الأخير أمواجاً, تبحر بخيالي بسفينة الطهر, وهي تبحث عن بحار الغموض وتسأل: - هل من الممكن أَن تكون من اللاتي ستحضر؟؟ لقد قالت لي أميرتي بأَنها سهرة مصحوبة بحفلة توقيع كتاب لمؤلفين جاءوا من وراء الشمس. بَقيْت على ما أنا عليه من حيرة وخوف وفرحة بإحتمالية العناق وبألم السير على جثث تساوي في طهرها طهر الأنبياء, حتى أقبلت أناقة المساء, وفي قرارة النفس المتعبة, روحان, فاتنتان, كل منهما ترتدي ثياب نسجت من خيوط الرفض الأنيق لعدم حضوري, وأخرى تضاجع أملاً يَحْتَضِر وتغريه بثياب النزوة الطاهرة حتى أقبل أَن أكون ضيفاً وطفلاً وأميراً وعازفاً. في ذلك المكان, ليتها لم تكن من الحاضرين, فقط جاءت حتى تطلب مني أَن أعطيها ما تبقى مِن تلك القوافي المكسرة, التي تحولت إلى أشلاء ضائعة في جسدي المتعب, حتى اختبأت إحدى تلك القوافي في عيوني الزرقاء, ذلك المؤلف الأرعن, طلب مني أَن أعزف أغنيةً على أوتار مقطعة, تشبه في جروحها أنين النايات على أطفال قَد سقطوا تحت تلال الصفقات, تلك الصفقات التي تشبه سياسة الكبار والأصدقاء الكبار عند لقاء بعضهم بعض سِراً, كالساسة, وفي علانيتهم يبدون شعوراً مزيفاً مِن ثياب ضيقة من الكره, لا تتسع لجسد حبهم الطاهر, لما ذلك الكذب على الآخرين وعلى أنفسهم؟؟. وفي ذلك الوقت, قالت لي أميرتي الطاهرة والمقدسة والحسناء بفرح مضيء: - قم يا صغيري, إعزف حتى لو كانت الآلات محطمة, فأنا متأكدة بأَنك قادر على الصنع من الألم الميت نغماً يشدو بالحياة. أَمَّا التي كانت قصراً تسكن روحي فيه, صارت روحاً على هيئة تمثال, وذلك المؤلف الأرعن يتفلسف ويناقش ويجادل بالباطل بغير علم, استمرت الوصلة الموسيقية التي أعزفها, وقد ضاقت أنفاسي, وتزاحمت المشاعر ما بين فرح واقع بما تبقى من أمل ينبض, وما بين تلك القوافي المتكسرة الضائعة والغارقة في قاع من بحور دماء جسدي, جميعهم كانوا بالنسبة لي أرواحاً على هيئة تماثيل تسير عبر جهاز التحطم عن بعد... نَعَم, التحطم عن بعد, وأنا أعني ما أقول. كانت أصوات الكؤوس وميوعة المجون تصاحب عزفي الباكي, لم تنتهِ مراسم الإحتفال بتوقيع كتب المؤلفين المجانين حتى شَعَرْت بالدوار, وَوَقَعْت أرضاً, وبعد استيقاظي, وَجَدْت أميرتي المقدسة بجانبي تبكي علَي وتحضنني, ووجَدْت الخادمة تحاول أَن تصنع من قوافٍ ماتت فيها روح المودة, وتحاول أَن تشدو لتسأل عني كيف أصبح حالي, ولكن هيهات هيهات, يا أيتها الجارية, اعلمي بأَن قطار سعادة اللحظات قَد غادر, وبقيتي وحدكي في محطة, سكنتها أرواح على هيئة تماثيل محترقة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق