السبت، 15 مارس 2014

رسائل مِن القبر..


رسائل من القبر..

بعد وفاته, لم يَكُن ينتابهم الحماس أَن يفتحوا الوصية ويرون ما فيها مِن ميراث إن وُجِد, فهم يعرفون بأَنه فقير, عديم الحال بائس, كثير مِن الخلائق يعاملونه بإزدراء مقيت, وبطريقة مقرفة فقدت ثياب الإنسانية المخملية. على عجالة, جاء وكيل الله على الأرض, جاء يهرول, جاء وَقَد وجد ذلك الحزن المصطنع على فقدانه, لم يرَ أحد قَد حَزِن عليه سوى صبية, غرقت في بحور دموعها حتى الإختناق, ففي رحيله نُبِشَت جثث الذكريات على ذلك الوسيم, كانت تلك الصَبِيّة تبكيه بحزن مزدوج, وهي تُرْثي بؤس حاله, وهي تقول بحرقة: ذلك الجسد بات خالياً مِن روحه الطاهرة. تلك الصَبيِّة التي كانت تفهم كُنْهَه وكبرياءه الصامد أكثر مما يعرف هو نَفْسَه, كيف لا وهي التي خَلَقَت رجولته وأوجَدَت إنسانيته من العدم؟! لَم تَكُن أبواق النعي كافية حتى يحضر لتشييعه أناس مِن كل حَدَب يَنْسِلون. حتى الحزن المرسوم على وجوه الرجال كان حزناً كرتونياً, سرعان ما تذهب ألوانه. قالت لهُم بحزم, وهي تحضن جسده, بعدما غسلوه وكفنوه, وهي تناديه بذلك الإسم التي وحدها مَن يناديه به, قالت للمحامي: - أنا مَن سيفتح وصيته, المعذرة منك أيها الوكيل, لم يكترث البعض, لأنهم يدركون بأَن ما جاء في تلك الوصية هو بمثابة مؤلفاته الركيكة, كان فيها: -يا صَبيَّتي الطاهرة, سلام عليكي مِن بَعْدي, أعلم بأَن يوم رحيلي آتٍ, وقد نُقِشَت في قلبي أسماء المشيعين, بأمر مِن الله, أُسْدِلَ الستار على حياةٍ لم تكن سوى حياة كبرياء ومكابرة لأشياء كنت قَد خَبَّأْتُها عن الأيدي المجرمة, يا صَبِيَّتي, ستبقى شموع حزنكِ المقدس مضيئة علَي حتى تلحقي بي, وصيتي يا صَبِيَّتي أَن تقولي لِمَن هُم وراء الشمس بعدما كانوا هم الشموس المشرقة في روحي المُتْعَبة, أَن يقوموا بالصلاة علَيّ صلاة غائب, إذا ما أَرْهَقَتْكُم أصوات الجنازة بإنتظار المجيء, حبيبَتي صَبّيَّتي يا قضاء طاهر في حياتي, الآن ستسكني مع الحبيب الطاهر, فقد رَحَل الذي كُنْتي تخافين بقاءه وحيداً. سلام عَلَيْكي, قوموا وسيروا بسكينة وإحملوا نعشي, ففي جنازتي فقط سيشيعني 4 رجال وخمس عشرة نسوة. لم يكن السير بالنعش سريعاً يهرب من الحياة, ولَم يَكن بطيئاً يخاف الحساب المنتظر رغم خطيئة ابن آدم, كان بين ذلك وَسَطاً, وضعوه في القبر بسلام, بَقِيَت الصَبِيَّة جالسةً وكانت آخر مَن رَحَل عن قبره, وهي تناجي الرب وهي قريبة من الرب بكراماتها وتقول: رباه, قل لملائكتك أَن ينادوه برفق, فلطالما كانت أعينه مغمضة عن أقنعة الخبائث مِن البشر. رباه, يا ربي يا ربيييي, قُل لملائكتك البررة أَن يمسكوا بِيَدِه جَيَّداً كَمَا كُنْت أمسكها أنا, قل لهم أَن ينبهوه عن الحفر, خليهم يديروا بالهم عليه..

وفي مغيب اليوم التالي, جاءت إلى قَبره, ومعها امرأتين وَرَجُل, تناديه وهي تعلم بأَن روحه قَد رُدَّت إليه: -يا صغيري, هاهم قَد أتوا متأخرين مِن وراء الشمس.. سلامٌ عليكي, كيف أنتي مِن بَعْدي؟؟ أعرف بأَنكي عُدْتي كَمَا كنتي مِن قبلي, امرأة ضائعة, أنوثتها على حافة الموت, ماتت عيوني المتعبة التي كاhttp://ift.tt/Nh6QOVنت تراكي أجمل مِن نفسكِ المريضة, مات http://ift.tt/Nh6QOVالقلب الذي كان بمثابة قصرٍ لَكِ ولأكاذيبِكِ المريضة, ماتت الشموع التي أنا فقط مَن كان يوقدها لَكِ, تلك التراتيل التي كُنْتي تهربي منها باتت مفقودة حتى قيام الساعة, إلى اللقاء في الدار الآخرة, سلامٌ عليكي يا أيتها الطفلة الكبيرة, هذه رسائلي من القبر..

حسام الداود.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق