مذكرات ساهرة.
خَلَدوا إلى نومهم جميعاً, أَمَّا البعض, فعيونهم لا زالت أسيرة التلفاز ومحطات الأخبار, حتى تشاهد المزيد من الدم والمزيد من العنف, والمزيد من التبرير السياسي, الذي بات روتين قاتل قَد فرض نفسه أمام الرأي العام. اتجَهْت إلى غرفتي, فَكُنْت مشتاقة في ذلك اليوم اشتياقاً كالإعصار إلى جوهرة أنوثتي المخبأة خلف ستار ذاتي المُقَدَّسة. قُمْت بارتداء ثياب النوم, وكان الطقص حاراً. أَغْلَقْت ستائر نافذتي المطلة على شرفة البيت, والمطلة على شرفة الحياة معاً. رَشَشْت من قارورة العطر وأنا مُغَرِّدة تلك الأغنية التي أعشقها, قَد تكون أنشودةً من موسيقى خيالي, لا وجود لها في حياتي, وتحقيق كلماتها ضاعت وربما ماتت تحت حطام المستحيل. وبَعْد أَن قُمْت بتلك الإنارة الخافتة, وقعت أصابعي الوردية اللونو على إحدى الأقراص المدمجة, فكانت محتواها ألحان قَد عُزِفَت مِن أوتار السماء, فلامست أوتار السمع والقلب. جَلَسْت متكئةً على سريري, سَحَبْت طاولتي الصغرى, وإذا بالقلم قَد لجأ إلى أناملي الوردية, كأَنه يريد أَن يقول شيئاً لي, فَلَم أَقْدِر إِلا أَن أكون ملبيةً لطلب لجوئه فكَتَبْت: في ذات مرة, وبعد يوم شاق, حاول أحدُهُم أَن يوصلني ويدعوني إلى تناول وجبة الغداء, فَكُنْت ملبيةً لطلبه ودعواه, ولكن كان خوفي شديداً لسبب مجهول, شَعَرْت بالسعادة في ذلك اليوم, ولكن لَم أكُن معتادة على ذلك الخوف, هو سبب مجهول, قبل نومي ليلاً, أَمْسَكْت بخصلة صغيرة من شعري المفرود, بعدما رششت العطر, فقمت بمحاولة لأَعُد كَم شعرة تحمل تلك الخصلة؟ مضى بعض الوقت وأنا لا زلت باقيةً على ذلك الفِعْل, وَقَفْت حائرةً وقائلة بيني وبين نفسي: ربما حياتي الماضية كانت مجرد أيام لَم أكن لأشعر بها على الرغم من كثرتها أو قلتها, حالها كحال خصلةً صغيرةً مِن شَعْري, إشْتَقت إلى جسدي, عسى أَن أبحث فيه عن نفسي, فقمت مسرعةً إلى المرآة, فقَرَّرْت أَن أعشق نفسي بأنانية مفرطة, في ذلك اليوم, اكْتَشَفْت بأن هناك الكثير مِن أشياء ذاتي الضائعة, الشيء الوحيد الذي كان معي هو اسمي فقط, أَمَّا حبي وعشقي وأحاسيسي الرقيقة وشفافية مشاعري فقد ماتت أو ربما على وشك الموت. في كثير من اللحظات, ينتابني حيرة, أشعُر بأَن هناك ذاتاً مجهولة الملامح, تحاول أَن تعانق ذاتي المتعبة, تزحف بصمت على أرض الروح, كأنها طفل حديث المشي, وقد تكون طفلة, ربما تلك الطفلة تكون أنا, وربما ذلك الطفل يكون هو الأمل الصغير بالنسبة لي, أحاول أَن أجعل ذلك الطِفْل يَخْرُج من ذاتي, لينام معي على وسادتي الصغيرة, فأُغَطيه وأعانقه, وأضمه إلى صدري, وأحاول أَن أزيح ضفائر شعري حتى لا تزعجه, وبعد مضي فترة من النوم يوقيظني ويقول لي بأنه يريد كوباً من الماء, فأقوم وأنا مغمضة الأعين بإحضاره له, يشرب وعندما ينتهي أقوم بتقبيله وبضمه إلى صدري مِن جديد.. لا أدري كل ما أعرفه, هو أَني عاشقة لتلك الطفلة أو لذلك الطفل, لطالما أحاول أَن أُلاعِب الأطفال, أو أقوم بتقبيلهم, عسى أَن يخرج ذلك الطفل مِن داخل أنوثتي حتى يشاركني ويشاركهم اللعب, فيحررني مِن قيد أنوثتي, ويحاول ترتيب مبادئي على رفوف قناعاتي مِن جديد. ولكنه سرعان ما يرحل بصرخة الواقع الأليم. في مثل هذا الوقت, بصحبة ضوئي الخافت, وثياب نومي وشعري المفرود, وزجاجة عطري الذي هو مَن أهداني أياها, كنت أبقى منتظرةً لمهاتفته, حالي كحال تلك الطفلة التي تحب أَن تسمع حكاية النوم, أو تشرب بيبرونة الحليب. لكنه سافر, سافر وتركني أحترق بنار الجنون الصامت, سافر, وكان آخر ما قاله لي: دعي كل شيء للأقدار, فأنا قَد عَشِقْتُكي منذ أَن كُنْت نطفةً في رحم أمي, وحتى قبل مجيؤكي إلى الدنيا. وأتبع قائلاً لي: لا تحزني, سنلتقي مِن جديد, سنُحِب بعضنا دونما رقيبٍ أو عتيد. وأوصاني أَن أكون منتبهةً لِنَفسي. أحِبَه حُباً لا تملكه أي أنثى له. سأقوم بترتيب حقائبي, عسى أَن تجمعني به الأقدار العاتية على حين غفلة مِن شوقي إليه, أقف متسئلة: هل لا زال يَذْكُرُني؟ هل لا زال يَذْكُر بأني أحببته حباً مجنون؟ أَم تلاشى شوقه إلَي؟؟ لا أدري هل هو سعيد حيث يقيم؟ هل هو مع امرأة أخرى تحميه ويحميها؟ تحبه ويحبها؟؟ أَم هو ذلك الحُب الذي من طرف واحد؟ انتابني النعاس, غَداً علَي أَن أستيقظ باكراً وأكون مسرعةً في ترتيب حقائبي, عسى أَن أَجِد ذاتي في مكانٍ مجهول؟ وأقول وداعاً أيتها المُذَكِّرات الساهرة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق