الخميس، 6 مارس 2014

في أحضان الأريج, قصة قصيرة بقلمي المتواضع..

قبل البدأ.. أود الإشارة إلى أَن غالب المشاركات الأدبية والإجتماعية ستكون بقلمي الخاص.. وذلك لا يعني التقليل من شأن الأقلام العامة على وجه العموم..
في أحضان الأريج.

بعد أَن مضى ساعات على رحيل أَمْجَد, كَتَبَت أريج بضع كلمات, وهي في ذلك تحاول إمساك القلم بعد انقطاع عنه منذ مدة طويلة جداً, كأنها تقول له بأَنك أنت الوحيد مَن بقي لي, كانت تمسكه برفق ولين بأصابعها البيضاء الناعمة, وهي تقول: لا أدري بماذا سأكتب, إن قمْت باللجوء إلى القلم والحبر, صرخت الدموع كصرخة مستغيث, فتأمرني أَن أستعين بها عن القلم, والعكس, إن كَتَبْت بدموعي تمرد علَي القلم, وقام بحبس كلماتي, ربما كَتَب الله أَن أكون حائرة حتى في أصغر أشيائي وحتى في خصوصياتي وفي حبي. لَم أَكُن راضيةً أبداً عن فترة الخطوبة, لكنهم أجبروني عليه, بقينا في فترة الخطوبة قرابة الأربعة أشهر, لكنهم اكتشفوا نفاقه بأعينهم ففسخوا خطوبتي منه ولله الحمد, لكني بقيت أشعر بالألم والإختناق وأنا معه, كان قاسي كان عنيف كان شكاك, كان يغار علَي حتى عندما أعانق أَمْجَد الطفل الصغير لصديقتي. في كثير من الأحيان أشعر بأَن أَمْجَد الطفل الصغير صاحب الأعوام الخمسة يشبهني في أشياء كثيرة, لكني أبقى صامتة عن ذلك الشعور, خشية أَن يقولوا عني بأني حمقاء ومعقدة, لكني أشعر براحة شديدة عندما أضمه إلى صدري وأجلسه في حضني, كان يحبني حباً شديداً, حتى صديقتي وزوجها كانا يشعران بذلك الحب, كان يحرص على أَن أكون موجودةً معه حتى عند ذهابه لمدينة الألعاب, حتى أَنه كان يُفَضِّل الجلوس في حضني أكثر مِن جلوسه في حضن أمه أو حتى يخاف الجلوس في مقعد السيارة بجانبي. على الرغم من إلحاح أبويه الشديد خوفاً من إزعاجي وتعبي إِلا أنه يرفض رفضاً شديداً, لا يخيفني شعوره, لكني أبحث عن تلك الحلقة المفقودة, سؤال يراودني: ماذا يريد طِفْل في سنواته الخمس الأولى مني؟ هناك شيئاً خفياً يفقده أَمْجَد, لكني مستبعدة أَن يكون شيئاً مادي, فأبويه يقدمان له كامل الرعاية والحب والإهتمام. هو أبيض الوجه كالملاك, شعره مائل إلى اللون البُنِّي الغامق, يمتلك عيوناً عسلية اللون, ربما لأنه ملاك صغير لا يقوى على نيران الحياة أخذه الله إلى جنان الخلد, تلك نيران الحياة التي أحرقت ذاتي ورَمَّدَت أَمَلي في كل شيء, حتى بأَني صِرْت أشعر بأنني على قيد الحياة من أجل الحياة فقط, ومن أَجْل أَمْجَد, وليس مِن أجْلي كإنسانة, تلك النار التي حفرت الأخاديد في أعماق قلبي, وسلَبَتْني أبسط الحقوق حتى حقي في تقرير مصيري مع مَن أُحب كأنثى متفتحة. وفي هذا المقام بينما أريج استحضرت روح أَمْجَد الصغيرة, بَكَت عليه بحرقة, ليتعانق الحبر مع الدموع. هم يسكنون مقابل بيتنا, كان يقلق علَي عندما أكون متأخرة في عملي ليلاً أكثر من قلق الكبار العاقلين علَي, كان قلق الكبار يتحول إلى شيئاً يشبه العتاب, لكنه عتاباً لئيم كوجوههم العابسة. ها نحن الآن قَد دَخَلْنا في فصل الشتاء, أشعر بأني أعيش في برد شديد, وفي خوف شديد, يراودني شعور بأني منذ أَن جئت إلى حياتي وأنا خائفة, لأسباب حتى أنا لا أدركها. حبيبي أَمْجَد هل أنت الآن تطير كعصفور من عصافير الجنة؟ لطالما خِفْت عَلَي عندما كان مكروه ما يصيبني أو عندما كنت أتأخر أو أَمْرَض, في إحدى الأيام الباردة, بينما كانت الرعود والأمطار ترسم لوحات من الحب التي نسجت نسماته من خيوط النبض المُقَدَّس, تُخبرني صديقتي بأنها كانت تقوم بترتيب البيت, وبإضفاء بعض الطقوس الشتوية, بعدما ارتدت ثوباً أنيقاً من الثياب التي اشترتها من إيطاليا لتستقبل به زوجها من عمله, وعلى حين غفلة منها تسلل أَمْجَد الملاك خارج البيت, بحَثَت عنه في أرجاء المنزل فَلَم تَجِدْه, كان زوجها على وشك الوصول, فأَتى وبحثا معاً عنه فَلَم يَكُن له أي أثر. في ذلك اليوم كُنْت قَد تأخرْت عن وصولي إلى منزلي بسبب زحمة السير المتولدة عن الأمطار, ومن جانب آخر كُنْت مضطرة للتأخر في العمل. ولكن منذ أَن بدأ اليوم, شَعَرْت بأَنه لَم يكُن يوم خير بالنسبة لي, استيقظْت من نومي في ذلك البرد الشديد, كُنْت مُعَكَّرة المزاج, وبعد وصولي إلى العمل, انهالت البشائر السيئة عَلَي منذ صباحي الباكر, فلانة طُرِدَت من عملها, وآخرون احترق منزلهم بالكامل بسبب ماس كهربائي, وآخر فَقَد قدميه بحادث سير مريع, وكان آخر المطاف مشادة كلامية حصلت بيني وبين أحدهم, يا الله!! ما هذا اليوم؟؟ لَم ينتهي يومي حتى شَعَرْت برغبة في بكاء شديد, وبرغبة إلى أحد ألجأ له. وبينما أنا سائرة في طريقي, والليل قَد أرخى ستاره, ووسط الحالة التي آلت بصديقتي وزوجها قلقاً على طفلهما المريض, خُيِّل إلَي وأنا قادمة شيئاً ما يشبه العصفور, يغرد ويرفرف بجناحيه, وإذا بذلك الخيال لَم يَكُن خيال, إنه أَمْجَد, لَم أستطع تصديق عيناي, كيف له الخروج من البيت في ذلك الجو البارد؟! رَكَض جارياً إِلَي, فعانقني وأمسكَت يداه الصغيرتان بطقم الجلد الذي كنت أرتديه في هذا اليوم, في تلك اللحظة, لَم أستطع السيطرة على نفسي, بَكَيْت, لكني حاولْت إخفاء ضعفي أمام طفل صغير, ربما لأن علَي تمثيل دور الأنثى الراقية والصامدة, وربما أبى كبريائي أَن يُظْهِر ضعفي أمام ذلك الطِفل. نَعَم.. إنه حب من قلب صغير, لكنه أصْدَق من حبهم جميعاً, حَمَلْتُه وَقَبَّلتُه وعانقته بحب ربما أقل من حبه الطفولي لي, لكني هذا ما أَمْلِكه لإنسان لَم يمضِ على قدومه إلى هذه الحياة سوى خمسة أعوام, وربما لَم يتمكن من العيش الأبدي. قُمْت بمعاتبته برفق رقيق, ووعدني وعداً صادقاً من بريق عينيه بأَنه لَم يقم بتكرارها مرةً ثانيةً من دون إخبار أبويه, الذين كانت دهشتهما مزدوجةً بعدما رأوه معي وقَد أَمْسَكْت بيده, قال ببراءة طفولية لكنها شديدة الوقع على الآذان, حتى أنا كُنْت مستغربة من قوله وهو يبرر تَصَرُّفَه البريء: خِفْت عليها من أَن تأكلها الذئاب والوحوش, انتَظَرْتُها طويلاً عند النافذة تأخَّرَت ولم تأتي. في ذلك اليوم, ضحكنا جميعاً بعد القلق الشديد, وقالت صديقتي وزوجها ممازحان: صرنا يا أريجنشعر بالغيرة منكي, وقبل خروجي من بيتهم, مَسَحت على شَعْرِه وأجلسته على ركبتي وعانَقْتُه بحب, وقلت لهما وأنا أدافع عنه: أنا متأكدة بأن أَمْجَد لَم يقم بتكرار ما حدث صح؟ لكني بقيت حائرة من تلك الكلمات التي قالها: أخاف أَن تأكلها الذئاب والوحوش, شَعَرْت بِحَيْرة, كيف لطفلٍ صغير أَن يملك ذلك الإحساس العالي, صحيح أَن قلوب الأطفال كقلوب الملائكة, لكني تَعَجَّبْت منه, كأنه يدري بأَن هناك في هذه الحياة ذئاب, وكأنه يدري بأن تلك الذئاب لطالما تنظر إلَي بلؤم وبشهوة, يريدون مني فرصةً ولو صغيرة, لكني عصية عليهم جميعاً, ورغم ذلك لا أستطيع إخفاء خوفي من الذئاب, حتى لو لَم يؤذوني إِلا أَن عواءهم يخيفني. لا أدري أي فئة من الذئاب تراودت على مخيلة أَمْجَد الصغيرة, هل هو يقصد الذئاب البشرية أَم أنه يقصد الذئاب التي نعرفها جميعاً؟ على العموم, لا فرق بين الفئتين, بل إن ربما تكون الذئاب البشرية أشد شَرّاً من الحيوانات. ربما لا أستطيع أَن أُسَطِّر حبي له وشعوري بالراحة عندما أراه بمجرد قطعة شكولاتا صغيرة أو لعبة أو حتى كلمات, لا أدري إِن كان حبي له الشديد بدافع المرض الذي يعاني منه وهو ثقب في قلبه الصغير, ذلك المرض النادر الحدوث, أَم أَني أرى في عينيه العسليتين حباً وشوقاً لي فحتم على ذاتي أَن تبادله بذلك الشعور وأكثر. لا زلت أذكر الأسبوع الماضي, عندما سافَرْت بمهمة عمل وأخذْتُه معي, لَم يَكُن أبواه ممانِعَين؛ لأنهما يعرفان بأَني سأحافظ عليه ربما أكثر من محافظتي على نفسي. في تلك الرحلة التي استمرت بضع أيام, أحْبَبْت نفسي حباً شديداً, شَعَرْت بالنرجسية, لا أدري ما السبب, ربما لأني قَد أكون مُدْرِكة بأن هناك طائفة لا تستحق حبي, كُنْت في غاية السعادة, وكُنْت متجَرِّدة مِن سائر التقاليد المتسخة, ومن جميع القيود المثالية, كُنْت أرى نفسي فقط, ولم أكن مبالية بأييييي أحد. ولأن رحلتي كانت في بردٍ قارس, أحببت أَن أُطِل على نافذة أنوثتي, وإرتَدَيْت تنورة سوداء قصيرة من الجلد, وتيشرت أحمر غامق, كان من الجلد أيضاً, وقبعة بيضاء, ومعي طِفْل, جميعهم ينظرون إلَي ويحسبوني أُماً له, ويتمتمون: مذهولين: أي أناقة تحملها تلك الأم!!؟؟ أحسَسْت للحظات بأَن شعور الأمومة بالنسبة للبنت والأنثى شعوراً فطرياً ساكن خلف ستار الذات, تَذَكَّرْت عندما كنت صغيرة كيف كُنْت أقوم بتمشيط شعر اللعبة وأقول لها: مامي, كُنْت سعيدة جداً, مشيت أنا وهو لَعِبْنا معاً, وجرينا على العشب الأخضر, حاوَلْت في ذلك اليوم أَن أعيش جميع الشخصيات, شخصية الطفلة التي قُمْت بسرقتها خلسةً من تحت سكاكين الألَم, وشخصية الأم التي تحب طفلها حباً شديداً على الرغم من أنها المرة الأولى, كُنْت في ذلك اليوم أُماً بلا زوج, شَعَرْت بأني في شهر العسل, نَعَم!!.. كان شهر عسل لكنه مع طِفْل, كانت أنوثتي لِطِفْل, كانت ملابسي لِطِفْل, كان حضني وشيئاً من جسدي فقط لِطِفْل. ربما لأن مرحلة الطفولة البريئة واشعور بالحب, هو إحساس لا يكاد ينفصل عن الآخر, شعرت في تلك اللحظة بذلك الشعور ولكن الإختلاف هو أني أرى نفسي متحررة, أرى نفسي بلا قيود وبلا إلتزامات وبلا غيرة عمياء, وبلا شهوة مريضة. دَخَلْت معه إلى أرقى المقاهي في أوربا, فنظر إِلَي الجميع بأعينهم, كأنهم يستغربون, كيف لإمرأة في غاية الكلاسيكية والأناقة الصارخة أَن تدخل مع طفلٍ صغير إلى مقهاً يرتاده العشاق؟!, في ذلك السفر, كان يشعر بسعادة معي كانت واضحةً من ضحكاته البريئة, لكني قرأْت في عينيه كلمات تفيد بأنه يشعر الآن بأني له وحده فقط, يشعر بأني معه, يشعر بأَني مُلْك له وحده, وكنت أرى إحساسه بالأمان وهو معي. كان ذلك الشعور أجمل ما رأَيْت, لأنه كان يرتدي ثياب حنان الطفولة وصدق النقاء وبراءة الحب الطفولي, بعد مرحٍ تحت قطرات المطر, استقلينا سيارة إلى الفندق الذي أنا فيه, حتى الجو قَد تَغَيَّر وبدلت السماء وجهها, منذرةً بقدوم الرعود والعواصف, كان البرد شديداً, جداً جداً جداً, الأمر الذي أدى بشكل مفاجئ إلى جفاف كل شيء, كان جفاف البرد القارس المفاجئ بدى واضحاً على عجلات السيارة التي كنت أستقلها, الأمر الذي بدى واضحاً وشديداً مع صعودنا إلى بعض المطبات الإصطناعية, وإن كانت صغيرة, كان السائق هي امرأة, بدت آثار تعاطيها للكحول واضحةً من سرعتها الجنونية ومن طريقة قيادتها, ربما كان هذا هو السبب الذي أدى بأَمْجَد إلى بعض البكاء بعد أَن مضت بضع خطوات من السير, حاولْت إسكاته بهدوء, وأخبرته قائلة بصمت: حبيبي ما بِك؟ أَلم نلعب معاً ونركض معاً وأكلنا الشوكولاتا معاً؟ ربما كانت السرعة الزائدة التي تؤدي إلى أصوات جفاف العجلات المزعجة هي سبب بكائه المتقطع, أو أن خوفه من الموت المفاجئ جراء التهور هو سبب بكائه, فلطالما كنت أنا وهو في ذلك الطريق على وشك الموت, يا ليتنا متنا معاً, كلما سمعت أنين بكائه بكيت معه بصمت وحاولت تهدئته, لم يجدي إنهائي عن السرعة لتلك المرأة, ربما بسبب عدم وعيها الكامل, إِلا أني شَعَرْت بأنها امرأة غير عادية. كان التعب واضح الملامح على وجهه الأبيض, الذي نالت حمرة البرد جزءً منه. في طريقنا إلى الفندق, كان جالساً في حضني, ونام, ولأَن كانت ملابسي من الجلد الرقيق والناعم بعض الشيء, خِفْت عليه من عدم راحته, فقمت بضم رأسه إلى صدري ووضعت ذراعي تحت رأسه. حاوَلْت أَن أُدْخِل أصابعي الباردة إلى تحت شعره, ربما هو هروب من استبداد البرد إلى فروة رأسه الناعمة, وربما هي عاطفة وحب شديد هربت من قيد كبريائي وقوة شخصيتي. كان يوماً طويلاً. نام معي على سريري, فضممته وعانقته خوفاً من اغتصاب البرد, بعد أَن إرتدَيْت ملابس النوم ورششت شيئاً مِن العطر, وقُمت بفرد شَعْري. نَعَم ربما تَمَكَّنْت من أَن أعيش دور الأم في يوم وليلة, بعد أَن حاوَلْت حمايته من البرد, لكني كُنْت عاجزة عن حماية نفسه البريئة من شرار الأحلام, الأمر الذي أدى به إلى البكاء المفاجئ, حينها, قُمْت بالإستيقاظ من نومي بخوف, استيقَظْ وهو ينادي بخوف شديد: يا خالتو أريج أنقذيني منهم, وضممته وقَبَّلْتُه, وأخبرته بأَنه لا ينبغي عليه البكاء والخوف وهو معي. كانت ملابسه مُتَبَلِّلة, وبعد أَن قُمْت بما يلزم, حاوَلْت أَن أقوم بتهدئته, قَصَصْت له قصة قصيرة, وإتخَذْت باقي الإحتياطات لتلافي تكرار ذلك التصرف بوضع شيئاً على السرير, وأخبرته بأنه ينبغي عليه الإنتباه, على الرغم من شعوري ببعض الإنزعاج ولو كان بسيطاً, إِلا أَني لَم أقوم بإبداء ذلك له؛ لأني كنت مدركةً بأن لا ذنب له, ربما هناك شيئاً مريعاً أخافه, قَد يكون ذلك الشيء هو سيرنا على طريق الموت أنا وهو عندما كنا عائدين إلى الفندق, شَعَر بالرعب ولم يتمكن من السيطرة على نفسه, لطالما ينادونني ممازحين وساخرين من عاطفتي بأني بإمكاني أَن أصبح طبيبة نفسية. وفي الصباح الباكر قُمْت على الفور بالإتصال بالطبيب النفسي الذي أعرفه, وأخبرْتُه عن تلك الظاهرة, وبعد إنهاء المكالمة, أَدْرَكْت بأن الطبيب على حق, ربما ينقص أَمْجَد الأمان, ويتوغل الخوف إلى أعماقه, وبعد قيامي بإرتداء ملابسي وتجهيز أَمْجَد, نَزَلْنا إلى ساحة الفندق, لأنتظر مجيء السيارة التي ستُقِلَّني إلى حيث إقامة الدورة, قالت لي إحداهن: -أنتي تبدين كالطفلة ومعكي طِفْل!؟ هل هي معجزة؟. وفي منتصف اليوم, وبعد عودتي معه من دورة العمل التدريبية, قُمْت بسؤاله عن السبب الذي دعاه إلى ذلك التصرف, ولماذا لَم يقم بإيقاظي من النوم عندما شَعَر بذلك, وأنا كُنْت خائفة من عدم استيعاب عقله البريئ لذلك السؤال, فأخْبَرَني بأَنه حَلِم بأنه كسَر تحفةً من تُحَف المنزل, وبعد سؤالي له عن صفتها من باب تتمة الحديث, تمكن من وصفها لي بدقة, فعَرَفْتُها, وقُمْت بسؤاله عما حدث بعدها, أخبرني بأن أُمَه قامت بالصراخ في وجهه, وبأن الأب كان يوشك على ضربه, ويقول بأنه حاول الهروب إِلَي لكن قدميه أصيبت بالشلل, وأتبع قائلاً ببراءة: لكنهما رأياني معكي فَلَم يقوموا بفعل شيء لي. نَعَم صديقتي تحب ولدها حباً شديداً, لكنها تحب أشياءها الغالية ربما أكثر من حبها لولدها, إضافةً إلى أني شاهَدْت في إحدى المرات أصطوانة فِلْم رُعْب على الطاولة الصغيرة, هو فِلْم مشهور, ففهِمْت بأَن ربما هناك شيئاً ولو بسيطاً تسرب إلى ذِهْن أَمْجَد. فَعَرَفْت بأَن أَمْجَد بحاجة إلى الأمان, وَقُمْت بمقارنة كلام الطبيب مع المعطيات المتوافرة لَدَي, فهو يعاني من قسوة العقاب الذي يؤدي به إلى الخوف الشديد, نَعَم.. يحبانه, ولكنهما لَم يستطيعا التغلب على تلك الخصلة. تَذَكَّرْت عندما تعرفت على صديقتي في إحدى صالونات العناية بالشعر, وكيف كانت شقاوته البريئة مسهمة في انسكاب القهوة على ملابسي, الأمر الذي أدى بأمه في ذلك اليوم بضربه وشده من شعره على الرغم من مرضه, فسرعة ردة الفعل عند صديقتي سارة أقوى ربما من عاطفتها كأُم, وتذكرت كيف أَني حاولت تدارك الموضوع, وقمت بملاعبته, ربما منذ تلك اللحظة أحبني وتعلق بي, لكني لَم أكن متخيلةً تلك الأسباب الماضية أَن تكون هي دوافعه, نَعَم, تعرفت على سارة من خلال أمجد, على الرغم من أننا نسكن مقابل بعضنا بعمارة واحدة فقط. بدَأْت أُفَكِّر مستغربةً ومستنتجةً بأَن الطفل ربما يكون بحاجة إلى المرح والأمان أكثر من حاجته إلى الألعاب. كان يحاول ببراءته الطفولية الماكرة أَن يفقد السيطرة على يديه الصغيرتين, لكني كُنْت أَمْنَعَه برفق دون أَن اؤذيه, ليس خوفاً منه, بل كان هناك شيئاً متطفلاً على كل أنثى اسمه الحياء, هو الحياء نعم, لكنه ربما لا يستطيع التفرقة ما بين نزوات الكبار وشهواتهم الخبيثة وما بين براءة الصغار. لَم أستطع نسيان لحظات البارحة, كانت لحظات مخيفة بالنسبة لي, بعد عودتي مِن العمل, لَم أجِد أحداً في منزلنا, لكني وَجَدْت ورقةً قَد كُتِب عليها: نحن في بيت صديقتكي سارة, إلحقي بنا لأن أَمْجَد مات, صَرَخْت وبَكَيْت عليه بدموعٍ حارقة ولا زلت أبكي عليه, فلطالما تَذَكَّرْت بأَنه يشبهني, فَمَرَضُه اغتصب طفولته البريئة وقتلها بسكين القَدَر, حتى أنا قُتَلوا ذاتي بسكين, لكنه سكين مِن القهر الحارق, حبيبي أَمْجَد, أنت الطفل الوحيد, وربما الشخص الوحيد الذي يستحق أحضان أريج..

وأقول مُعَلِّقاً: هنيئاً لَك يا أَمْجَد بحب أريج وبأحضان أريج, أيها الملاك..




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق